ملخص قصة الأيام ( الجزء الأول) | الفصل الثامن – العلم بين مكانتين

 ملخص قصة الأيام ( الجزء الأول) | الفصل الثامن – العلم بين مكانتين

ملخص قصة الأيام ( الجزء الأول) | الفصل الثامن - العلم بين مكانتين

1- اختلاف منزلة العلماء في القرى والمدن والعاصمة. (قانون العرض والطلب)

للعلم في القرى ومدن الأقاليم جلال ليس له مثله في العاصمة ولا في بيئاتها العلمية المختلفة، وليس في هذا شئ من العجيب ولا من الرابة، وإنما هو قانون العرض والطلب، يجري على العلم كما يجري على غيره مما يُباع ويُشترى.

أ‌- العلماء في المدن الكبرى : فبينما يروح العلماء ويغدون في القاهرة لا يحفل بهم أحد أو لا تكاد يحفل بهم أحد، وبينهما يقول العلماء فيكثرون في القول، ويتصرفون في فنونه، دون أن يلتفت إليهم أحد غير تلاميذهم في القاهرة.

ب‌- العلماء في الريف : ترى علماء الريف، وأشساخ القرى ومدن الأقاليم، يغدون ويروحون في جلال ومهابة، ويقولون فيستمع لهم الناس مع شئ من الإكبار مؤثر جذاب.

نظرة الصبي للعلماء في مدينته.

كان صابحنا متأثرا بنفسية الريف، ويكبر العلماء كما يكبرهم الريفيون ويكاد يؤمن بأنهم فطروا من طينة نقية ممتازة غير الطينة التي فطر منها الناس جميعا، وكان يسمع لهم وهم يتكلمون فيأخذه شئ من الإعجاب والدهش حاول أن يجد مثله في القاهرة امام كبار العلماء وجلة الشيوخ فلم يوفق.

2- أنواع العلماء ومكانتهم وتأثيرهم على الناس.

كان علماء المدينة ثلاثة أو أربعة قد تقسموا فيما بينهم إعجاب الناس ومودتهم.

العلماء الرسميون.

أ‌- العالم الأول | كاتب المحكمة الشرعية (حنفي المذهب).

فأماما أحدهم فكان كاتبا في المحكمة الشرعية، قصيرا ضخما، غليظ الصوت جهوريه، يمتلئ شدقه بالألفاظ حين يتكلم، فخرج إليك هذه الألفاظ ضخمة كصاحبها، غليظة كصاحبها، وتصدمك معانيها كما تصدمك مقاطعها، وكان هذا الشيخ من الذين لم يفلحوا في الأزهر، قضى فيه ما يشاء أن يقضى من السنين، فلم يوفق إلى العالمية ولا إلى الفضاء. فقنع بمنصب الكاتب في المحكمة على حين كان أخوه قاضيا ممتازا، قد جعل إليه قضاء أحد الأقاليم، ولم يكن هذا الشيخ يستطيع أن يجلس في مجلس إلا فخر بأخيه وذم القاضي تاذي هو معه، كان (حنفي المذهب)، وكان أتباع (أبي حنيفة) في المدينة قليلين، أو لم يكن (لأبي حنيفة) في المدينة أتباع، فكان ذلك يغيظه ويحنقه على خصومة الغلماء الآخرين، الذين كانوا يتبعون (الشافعي او مالكا) ويجدون في أهل المدينة صدى لعلمهم، وطلابا للفتوى عندهم، فكان لا يدع في فرصة إلا مجد فيها فقه (أبي حنيفة) ، وغض من فقه (مالك والشافعي) وأهل الريف مكرة أذكياء فلم يكن يخفى عليهم أن الشيخ إنما يقول ما يقول، ويأتي ما يأتي من الأمر، متأثرا بالحقد والموجدة، فكانوا يعطفون عليه، ويضحكون منه.

المنافسة شديدة بين كاتب المحكمة الشرعية وبين الفتى الأزهري.

كانت المنافسة شديدة عنيفة بين الشيخ وبين الفتى الأزهري، كان ينتخب خليفة في كل سنة فغاظه أن ينتخب هذا الفتى خليفة دونه، ولما تحدث الناس أن الفتى سيلقى خطبة الجمعة سمع الشيخ هذا الحديث ولم يقل شيئا، حتى إذا كان يوم الجمعة وامتلأ المسجد بالناس؛ وأقبل الفتى يريد أن يصعد العنبر، نهض الشيخ حنى انتهى إلى الإمام وقال في صوت سمعه الناس: “إن هذا الكتاب حديث السن، وما ينبغي له أن يصعد المنبر ولا أن يخطب، ولا أن يصلي بالناس فيهم الشيوخ وأصحاب الٍأسنان، ولئن خليت بينه بين المنبر والصلاة لأنصرفن”.. ثم التفت إلى الناس وقال : “ومن كان منكم حريصا على ألا تبطل صلاته فليتبعني”.

سمع الناس هذا فاضطربوا، وكادت تقع بينهم الفتنة لولا أن نهض الإمام فخطبهم وصلى بهم، وحيل بين الفتى وبين المنبر هذا العام، ومع ذلك فقد كان أبوه ينتظر هذه الاسعة أشد ما يكون إليها شوقا، وأعظم ما يكون متصلة، وتلا الخطبة على أبيه غير مرة، وكان أبوه ينتظر هذه الساعة أشد ما يكون إليها شوقا، وأعظم ما يكون بها ابتهاجا، وكانت أمه مشفقة تخاف عليه العين، فما كاد يخرج إلى المسجد ذلك اليوم، حتى نهضت إلى جمر وضعته في إناء وأخذت تلقى فيه ضروبا من البخور، وتطوف به البيت حجرة حجرة، تقف في كل حجرة لحظات وتهمهم بكلمات، وظلت كذلك حتى عاد ابنها، فإذا هي تلقاه من وراء مبخرة مهمهة، وإذا الشيخ مغضب يلعن هذا الرجل الذي أكل الحسد قلبه، فحال بين ابنه وبين المنبر والصلاة.

ب‌- العالم الثاني | إمام المسجد الشافعي المذهب

كان في المدينة عالم آخر (شافعي) كان إمام المسجد وصاحب الخطبة والصلاة، وكان معروفا بالتقي والورع، يذهب الناس في إكباراه وإجلاله إلى حد يشبه التقديس، كانوا يبتركون به، ويلتمسون هنده شفاء مرضاهم وقضاء حاجاتهم وكأنه يرى في نفسه شيئا من الاوية، وظل أهل المدينة بعد موته سنين يذكرونه بالخير، ويتحدثون مقتنعين بأنه عندما أنزل في قبره قال بصوت سمعه المشيعون جميعا : “اللهم اجعله منزلا مباركا”، وكانوا يتحدثون بما رأوا فيما يرى النائم من حظ هذا الرجل عند الله، وما أعد له في الجنة من نعيم.

ت‌- العالم الثالث | شيخ مالكي المذهب.

وشيخ ثالث كان في المدينة، وكان (مالكي المذهب)، ولم يكن ينقطع ولا يتخذه حرقة، وإنما كان يعمل في الأرض، ويتجر، ويختلف إلى المسجد فيؤدى الخمس، ويجلس إلى الناس من حين إلى حين، فيقرأ لهم الحديث، ويفقههم في الذين متواضعا غير تباه ولا فخور، ولم يكن يحتفل به إلا الأقلون عددا.

ملامح علماء غير رسميين لهم تأثيرهم في عامة الناس.

هؤلاء هم العلماء، ولكن علماء آخرين كانوا منبثين في هذه المدينة وقرأها وريفها، ثم يكونوا أقل من هؤلاء العلماء الرسميين تأُيرات في دهماء الناس وتسلطا على عقولهم منهم هذا.

ث‌- العالم الرابع | الحاج .. الخياط

الذي كان دكانه يكاد يقابل (الكتاب)، والذي كان الناس مجمعين على وصفه بالبخل والشيخ والذي كان متصلا بشيخ من كبار أهل الطرق والذي كان يزدرى العلماء جميعا؛ لأنهم يأخذون علمهم من الكتب لا من الشيوخ، والذي كان يرى أن العلم الصحيح إنما هو العلم اللدني، الذي يهبط على قلبك من عند الله دون أن يحتاج إلى كساب؛ بل دون أن تقرأ أو تكتب.

3- تأثير هؤلاء العلماء والفقهاء في تكوين عقلية الصبي.

وكان صبيبنا يختلف بين هؤلاء العلماء جميعا، ويأخذ عنهم جميعا، حتى اجتمع له من ذلك مقدار من العلم ضخم مختلف مضطرب متناقض، ما أحسب إلا أنه عمل عملا غير قليل في تكوين عقله الذي لم يخل من اضطراب واختلاف وتناقض.

 *  *  *

 لمتابعة مبادرة (اقرأ من جديد) اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى