ملخص قصة الأيام ( الجزء الثاني) | الفصل الثاني – وحدة الصبي في غرفته

 ملخص قصة الأيام ( الجزء الثاني) | الفصل الثاني – حب الصبي للأزهر 

ملخص قصة الأيام ( الجزء الثاني) | الفصل الثاني - حب الصبي للأزهر

الفصل الثاني – حب الصبي للأزهر

الطور الأول : كان الصبي يشعر بالغربة في غرفته في القاهرة.

الطور الثاني : كانت خطواته حائرة مضطربة فيطريقه إلى الأزهر.

الصبي في طوره الثالث : في أروقة الأزهر كان يجد فيه الراحة والأمن والطمأنينة والاستقرار، وكان النسيم الذي يتنسمه مع صلاة الفجر في الأزهر يذكره بأمه، ويشبه قبلائها في أثناء إقامته في الريف.

الأزهر هو مكان العلم العظيم الذي يبحث عنه الصبي فقد جاء إلى القاهرة يريد أن يلقى نفسه في بحر العلم كما سمع من ابنه وأصحابه “إن العلم بحر لا ساحل له”

عقد الصبي موازنة بين أصوات شيوخ الأزهر في الفجر التي فيها دعاء يشبه الاستعطاف، وأصواتهم في الظهر التي تتميز بالقوة والعنف وفيها هجوم على المؤلفين.

يتمنى أن يجري به السن ستة أعوام أو سعة ليستطيع أن يفهم العلم وأن يحل ألغازه ويفك رموزه منذ أن سمع من شيخ الفقه هذه الجملة التي أرقته ليلة “الحق هدم الهدم” أي إزالة الباطل حق، ويتصرف فيه كما كان يتصرف فيه أولئك الشبان البارعون ويجادل فيه أساتذته كما كان يجادل فيه أولئك الشباب البارعون.

أنكر الصبي في درس الحديث أسلوب العنعنة التي تسبق ذكر الحديث الشريف؛ لأنه كان لا يفهم معنى لتتابع الأسماء.

1- الأطوار الثلاثة لحياة الصبي في الأزهر.

أ‌- الطور الأول : حياة الصبي في غرفته.

كان هذا الطور (المقصود به : الطور الثالث وهو وجوده بالأزهر) أحب أطوار حياته تلك إليه وآثرها عنده، كأن أحب إليه من طوره ذاك في غرفته التي كان يشعر فيها بالقربة شعورا قاسيا؛ لأنه لا يعرفها ولا يعرف مما اشتملته من الأثاث والمتاع إلا أقله وأدناه إليه، فهو لا يعيش فيها كما كان يعيش في بيته الريفي وفي غرفاته وحجراته تلك التي لم يكن يجهل منها ومما أحتوت عليه شيئا، وإنما كان يعيش فيها غريبا عن الناس وغريبا عن الأشياء، وضيقا حتى بذلك الهواء الثقيل الذي كان يتنفسه فلا يجد فيه راحة ولا حياة، وإنما كان يجد فيه ألما وثقلا.

ب‌- الطور الثاني : الطريق بين بيته والأزهر.

كان الطور الثالث وهو وجوده بالأزهر، أحب إليه من طوره الثاني في طريقه تلك بين البيت والأزهر فقد كان في ذلك الطور مشردا مفرق النفس مضطرب الخطأ ممتلئ القلب بهذه الحيرة المضلة الباهظة التي تفسد على المرء أمره وتجعله يتقدم أمامه لا على غير هدى في طريقه المادية وحدها – فقد كان ذلك محتوما عليه –  بل على غير هدى في طريقه المعنوية أيضا، فقد كان مصروفا عن نفسه بما يرتفع حوله من الأصوات وما يضطرب حوله من الحركات، وقد كان مستخذبا في نفسه من اضطراب خطأ وعجزه من أن يلائم بين مشيته الضالة الحائرة الهادئة ومشية المهتدية العارمة العنيفة.

ت‌- الطور الثالث : الصبي في الأزهر.

فأما في طوره الثالث هذا الأزهر، فقد كان يجد راحة وأمنا وطمأنينة واستقرارا طان هذا النسيم الذي يترقرق في صحن الأزهر حين تُصلي الفجر يتلقي وجهه بالتحية فيملأ قلبه أمنا وأملا.

وما كان يشبه وقع هذا النسيم على جبهته التي كانت تندى بالعرق من سرعة ما سعى، إلا بتلك القلبلات التي كانت أمه تضعها على جبهته بين حين وحين، في أثناء إقامته في الريف حين يقرئها آيات من القرآن أو يمتعها بقصة مما قرأ في الكتب أثناء عبثه في (الكتاب) أو حين كان يخرج ضعيفا شاحبا من خلوته تلك التي كان يتوسل فيها إلى الله بـ(عدَّية ياسين) ليقضي هذه الحاجة أو تلك من حاجات الأسرة.

كانت تلك القبلات تنعش قلبه وتشبع في نفسه أمنا وأملا وحنانا، وكان ذلك النسيم الذي كان يتلقاه في صحن الأزهر يشيع في نفسه هذا كله ويرده إلى الراحة بعد التعب، وإلى الهدوء بعد الاضطراب، وإلى الابتسام بعد العبوس ومع ذلك فلم يكن يعلم من أمر الأزهر شيئا، ولم يكن يعرف مما يحتويه الأزهر شيئا وإنما كان يكفيه أن تمس قدميه الحافتين أرض هذا الصحن،وأن يمس وجهه نسيم هذا الصحن، وأن يحس الأزهر من حوله نائما يريد أن يستيقظ، وهادئا يريد أن ينشط ليعود إلى نفسه أو لتعود إليه نفسه وإذا هو يشعر أنه في وطنه وبين أهله لا يحس غربة ولا يجد ألما، وإنما هي نفسه تتفتح من جمكيع أنحائها وقلبه يتشوق من جميع أقطاره ليتلقى .. ليتلقى ماذا ؟ ليتلقى شيئا لم يكن يعرفه، ولكنه كان يحبه ويدفع إليه دفعا، طالما سمع اسمه وأراد أن يعرف ما وراء هذا الاسم، وهو العلم.

2- العلم بحر الذي لا ساحل له :

وكان يشعر شعورا غامضا ولكنه قوي بأن هذا العلم لا حد له، وبأن الناس قد ينفقون حياتهم كلها ولا يبلغون، منه إلا أيسره، وكان يريد أن ينفق حياته كلها وأن يبلغ من هذا العلم أكثر ما يستطيع أن يبلغ مهما يكن في نفسه يسيرا.

وكان قد سمع من أبيه الشيخ ومن أصحابه الذين كانوا يجالسونه من أهل العلم أن (العلم بحر لا ساحل له) فلم يأخذ هذا الكلام على أنه تشبيه أو تجوز، وإنما أخذه على أنه الحق كل الحق.

وأقبل إلى القاهرة وإلى الأزهر يريد أن يلقى نفسه في هذا البحر فيشرب منه ما شاء الله له أن يشرب ثم يموت فيه غرقا، وأي موت أحب إلى الرجل النبيل من هذا الموت الذي يأتيه من العلم ويأتيه، وهو غرق في العلم ؟!

كانت هذه الخواطر كلها تثور في تفسه الناشئة فجأة، فتملؤها وتملكها وتنسبها تلك الغرفة الموحدة ةوتلك الطريق المضطربة الملتوبة، بل تنسبها الريف ولذات الريف، وتنشرها بأنها لم تكن مخطئة ولا غالية حين كانت تتحرك شوقا للأزهر وضيقا بالريف.

3- حب الصبي للأزهر بعد صلاة الفحر.

أ‌- امتلاء قلب الصبي بالخشوع وبالخضوع عن دخول الأزهر.

كان الصبي يسعى أماماهه مع صاحبه حتى يقطع الصحن ويصعد هذه الدرجة اليسيرة التي يبتديء بها الأزهر نفسه، فيمتلئ قلبه خشوعا، وتمتلئ نفسه إكبارا وإجلالا، ويخفف الخطو على هذه الحصر المبسوطة البالية التي كانت تنفرج أحيانا عما تحتها من الأرض، كأنها تريد أن تتيح لأقدام الساعين عليها شيئا من البركة بلمس هذه الأرض المطهرة، وكان الصبي يحب الأزهر في هذه العمود أو ذاك، وينتظروا المصلون من صلاة الفجر، وينصرفون وفي عيونهم النعاس، ليتحلقوا حول هذا العمود او ذاك، وينتظروا هذا الأستاذ أو ذاك فيسمعوا منه درس (الحديث أو درس التفسير أو درس الأصول أو درس التوحيد)

ب‌- هدوء الأزهر في هذه اللحظات.

كان الأزهر في هذه اللحظة هادئ لا ينعقد فيه ذلك الدوي الغريب الذي كان يملؤه منذ ةتطلع الشمس إلى أن تصلى العشاء، وإنما كنت تسمع فيه أحاديث يتهامس بها أصحابها، وربما سمعت  فتى يتلو القرآن في صوت هادئ معتدل، وربما مررت إلى جانب مصلٍ لم يدرك الجماعة أو أدركها ولكنه مضى في التنفيل بعد أن أدى الفريضة، وربما سمعت أستاذا هنا أو هناك يبدأ درسه بهذا الصوت الفاتر، صوت الذي استيقظ من نومه فأدى صلاته ولم يطعم بعد شيئا يبعث في جسمه النشاط والقوة، فهو يقول في صوت هادئ حلو منكسر بعض الشئ : “بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمي، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد عليه وعلى آله وصحبه أجميعن، قال المؤلف رحمه تعالى ونفعنا بعلمه آمين”.

ت‌- الصبي يوازن بين أصوات الشيوخ بعد الفجر والظهر.

والطلاب يسمعون لهذا الصوت في هدوء وفتور يشبهان هدوء الشيخ وفتوره، وما أكثر ما كان الصبي يوازن في نفسه بين أصوات الشيوخ حين ينطقون بهذه الصبغة في درس الفجر، وأصواتهم حين يمطقون بها في درس الظهر!

فأما أصوات الفجر : كانت فاترة حلوة فيها بقية من نوم.

أما أصوات الظهر : كانت قوية عنيفة ممتلئة فيها شئ من كشل أيضا، تصور امتلاء البطون بما كانت تمتلئ به من طعام الأزهريين في ذلك الوقت الذي كان الأزهريون يعيشون فيه على الفول والمخلل وما يشبه الفول والمخلل من ألوان الطعام.

كان في أصوات الفجر : دعاء للمؤلفين يشبه الاستعطاف.

كان في أصوات الظهر : هجوم على المؤلفين يوشك أن يكون عدوانا، وكانت هذه الموازنة تعجب الصبي وتثير في نفسه لذة ومتاعا.

4- درس في الحديث، وتشوق لدرس (أًصول الفقه)

أ‌- انتظار الصبي لسماع درس الحديث.

كان يسعى مع صاحبه حتى يرقى هاتين الدرجتين اللتين يبتدئ بهما الإبوان، وهناك إلى جانب عمود من هذه الأعمدة المباركة قد شد إليه كرسي بسلسلة غليظة يجلس صاحبه ويقول له : انتظر هنا فستسمع درسا في الحديث فإذا فرغت من درسي فسأعود إليك.

ب‌- صاحبه يحضر درس الفقه للشيخ راضي.

كان درس صاحبه في أصول الفقه، وكان أستاذ صاحبه (الشيخ راضي) -رحمه الله- وكان الكتاب الذي يدرسه الشيخ راضي (كتاب التحرير للكمال بن الهمام)

ت‌- شعور الصبي حين يسمع (أصول الفقه، الشيخ راضي، التحرير بن الهماه)

كان الصبي يسمه هذه الألفاظ كلها فيمتلئ لها قلبه ورغبا ومهابة وإجلالا (أصول الفقه)، ما عسى أن يكون هذا العلم (الشيخ راضي) ! من عسى أن يكون هذا الشيخ ؟ (التحرير) ما معنى هذه الكلمة ؟  الكمال بن الهمام! ما أعظم هذين الاسمين! “حقا إن العلم بحر لا ساحل له، والخير كل الخير للرجل الذكي أن يغرق فيه” 

وكان إجلال الصبي لهذا الدرس خاصة يزداد ويعظم من يوم إلى يوم حين كان يسمع أخاه ورفاقه يطالعون الدرس قبل حضوره فيقرءون كلاما غريبا ولكنه حلو الموقع في النفس.

ث‌- تشوق الصبي إلى درس أصول الفقه وفك رموزه.

كان الصبي يسمه فيتحرك شوقا إلى أن تقدم به السن ستة أعوام أو سبعة ليستطيع أن يفهمه وأن يحل ألغازه ويفك رموزه، ويتصرف فيه كما كان يتصرف فيه أولئك الشبان البارعون، ويجادل فيه أساتذته كما كان يجادل فيه أولئك الشبان البارعون ولكنه الآن مضطر إلى أ، يسمع ولا يفهم.

ج‌- الحق هدم الهدم، وأثرها على الصبي.

   ما كان أكثر ما يقلب في نفس الصبي هذه الجملة أو تلك لعله يجد وراءها شيئا فلا يظفر بطائل، ولا يزيده ذلك إلا إكبارا للعلم، وإجلالا للعلماء، وإصغارا لنفسه، وساتعدادا للعمل والجد.

وقد سمع جملة بعينها شهد الله أنها أرقته غير ليلة من لياليه، ونغصت عليه حياته غيريوم من أيامه ولعلها أن تكون قد صرفته من غير درس من دروسه اليسيرة، فقد كان يفهم دروسه الأولى في غير  مشقة، وكان ذلك يغريه بالانصراف عن حديث الشيخ إلى التفكير في بعض ما سمع من أولئك الشبان النجباء.

وكانت هذه الجملة التي ملأت نفسه وقلبه غريبة في حقيقة الأمر، وقعت على أذنه وهو في أول النوم وآخر اليقظة، فردته إلى اليقظة ليله، وهي (والحق هد الهدم)، ما همعنى هذا الكلام ؟ كيف يُهدم الهدم ؟ وما عسى أن يكون هذا الهدم ؟ وكيف يكون الهدم حقا ؟ وجعلت هذه الجملة تدور في رأسه كما يدور هذيان الحمى في رأس المريض حتى صرف عنها ذات يوم بإشكال من إشكالات الكفراوي أقبل عليه ففهمه وجادل فيه، وأحسَّ أنه بدأ يشرب من ذلك البحر الذي لا ساحل له وهو بحر العلم.

5- الصبي لا يحب (أسلوب العنعنة) في وراية الحديث.

أ‌- شيوخ الحديث يتبعون أسلوب العنعنة في روايتهم للأحدايث.

كان الصبي يجلس إلى جانب ذلك العمود، يبعثبتلك السلسلة، ويسمع للضيخ وهو يقلى دروسه في الحديث، فيفهم عنه في وضوح وجلاء، ولا تنكر منه إلا تلك الأسماء التي كانت تساقط على الطلبة يتبع بعضها بعضا، تسبقها كلمة (حدثنا) وتفصل بينها كلمة (عن).

ب‌- السبب في إنكاره لأسلوب العنعنة.

كان الصبي لا يفهم معنى لهذه الأسماء ولا تتابعها ولا لهذه”العنعنة” المملة، وكان يتمنى أن تنقطع هذه العنعنة وأن يضل الشيخ إلى الحديث، فإذا وصل إليه سمعه الصبي ملقيًا إليه نفسه كلها فحفظه وفهمه، وأعرض عن تفسير الشيخ؛ لأنه كان يذكره ما كان  يسمع في الريف من إمام المسجد، ومن ذلك الشيخ الذي كان يعلمه أوليات الفقه.

ت‌- الضوضاء تملأ الأزهر، والشيوخ ينهون درسهم.

بينما كان الشيخ يمضي في دروسه كان الأزهر يستيقظ شيئا فشيئا، كأنما كانت تنبهه أصوات أولئك الشيوخ الذين كانوا يلقون دروسهم، وما كان يثور بينهم وبين طلابهم من حوار يبلغ العنف أحيانا، فهؤلاء الطلاب يقبلون، وهذه الأصوات ترتفع، وهذا الدوي ينعقد، وهؤلاء الشيوخ ترتفع أصواتهم لتبلغ آذان التلاميذ، بل هؤلاء الشيوخ يضطرون أن ينطقوا بهذه الصيغة التي تؤذن بانتهاء الدرس، وهي “والله أعلم” ؛ لأن الطلاب قد أٌبلوا ينتظرون درس الفقه من شيخ غير هذا الشيخ، أو من الشيخ نفسه، فلابد من أن ينتهي درس الفجر، ليبدأ درس الصبح، هنالك كان يقبل على الصبي صاحبه فيأخذه بيده في غير كلام ويجذبه في غير رفق، ويمضي إلى مجلس آخر فيضعه فيه كما يضع المتاع وينصرف عنه.

6- الصبي ينقل إلى درس الفقه.

وقد فهم الصبي أنه قد نقل إلى درس الفقه، وأنه سيسمع هذا الدرس وسيفرغ منه وسينصرف الشيخ ويتفرق الطلاب، ويبقى هو في مكانه لا يتحول عنه حتى يعود إليه صاحبه من (سيدنا الحسين)حيث كان يسمع درس الفقه الذي كان يلقبه (الشيخ بخيت) رحمه الله.

وكان (الشيخ بخيت) يحب الإطالة في الدرس، وكان طلابه يلحون عليه في الجدال، فلم يكن يقطع درسه حتى يرتفع الضحى.

7- عودة الصبي مع صاحبه إلى البيت بعد درس الفقه.

وهنالك يعود إلى الصبي فيأخذه بيده في غير كلام، ويجذبه في غير رفق، ويمضي به حتى يخرجه من الأزهر وحتى يرده إلى طوره الثاني، فيقطع به الطريق بين الأزهر والبيت، ثم إلى طوره الأول، فيلقيه في مكانه من الغرفة على ذلك البساط القديم الذي ألقى على حصير بال عتيق، ومنذ ذلك الوقت يتهيأ الصبي لاستقبال حظه من العذاب.

*  *  *

 لمتابعة مبادرة (اقرأ من جديد) اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى