ملخص قصة الأيام ( الجزء الثاني) | الفصل الرابع – الحاج علي وشباب الأزهر

ملخص قصة الأيام ( الجزء الثاني) | الفصل الرابع – الحاج علي وشباب الأزهر 

ملخص قصة الأيام ( الجزء الثاني) | الفصل الرابع - الحاج علي وشباب الأزهر

الفصل الرابع – الحاج علي وشباب الأزهر 

صوتان مفزعان أصابا الصبي بالحيرة.

الأول : صوت عصا غليظة تضرب الأرض.

والآخر : صوت إنساني متهدرج مضطرب وهو صوت الحاج على الرزاز الذي تولي عملية إيقاظ الطلاب قُبيل الفجر للصلاة وحضور دروس الفجر من اجل ذلك كان لطلاب يتجاهلون الرجل ليلة الجمعة وهو يقول : (هلم يا هؤلاء أفيقوا إلىمتى تناجون! أعوذ بالله من الكفر والضلال).

ولقد اتصلت المودة بينه وبين الطلاب فهو يعرف حب الطلاب للعلم وانصرافهم عن العبث لذا لم يكن يسعى إليهم إلا في يوم الجمعة حيث يتولى تدبير الطعام لهم.

صفات الحاج على الرزاز :

كان تاجرا للأرز، وقد جاوز السبعين واحتفظ بوقة عقله وجسمه بتكلف التقوى والورع ، فإذا خلا إلى اصحابه فهو أسرع الناس خاطرا وزرفهم لكنه وأطوالهم لسانا وأخفهم دعابة وأشدهم تشنيعا بالناس، من أجل ذلك أحبه الطلاب، ولكن الصبي يعترض على ذلك ويرفض أن يسير سيرتهم في التهالك على العبث وبخاصة يوم الجمعة حينما بعد الرجل لهم الطعام الذي كان يُغير في الربع لذة مؤلمة وألما لذيذا.

معركة الطعام يوم الجمعة:

لقد كان الصبي في معركة الطعام خجلا وجلا بسبب عاهته من أجل ذلك كانت معركة الطعام تمثل مصدر ألم لنفس الصبي وتسلية له إذا خلا إلى نفسه، وكان يذكرها فيما بعد الحنان والإعجاب.

تفرق الجماعة وانقطاع العلاقة وموت الحاجة على:

في يوم حُمل إلى الطلاب نعي الحاج على فحزنت قلوبهم ولم يبلغ الحزن عيونهم، وذكر للصبي أن آخر كلمة نطق بها الشيخ وهو يحتضر إنما كانت دعاء لأخي الصبي “الفتى الشيخ”

أحداث الفصل الرابع 

1- الصوتان الغريبان :

أ‌- الصوتان الغريبان يوقظان الصبي فزعا: 

– الأول : صوت عصا غليظة تشرب الأرض ضربا عنيفاز

– الثاني : صوت إنساني متهدج مضطرب لا هو بالغليظ ولا هو بالنحيف، يذكر الله ويسبح بحمده، ويمد ذكره وتسبيحه مدا طويلا غريبا.

وقد سكن كل شئ وشمل هدوء الليل كل شئ، وجعل هذا الصوت الإنساني ينبعث بين حين وحين متهدجا مرجعا، تقطعه شربات العصا على الأرض، وهو يبدو قويا فيذيع في الليل الهادئ شيئا يشبه الاضطراب، ثم يدنو قليلا حتى يكاد يبلغ غرفة الصبي ثم ينحرف ويضعف شيئا فشيئا، حتى يكاد ينقطع ثم يبدو مرة أخرى قويا متصلا بعد أن هبط صاحبه سلم “الربع” واستقامت له طريقة في الحارة، ثم يبعد شيئا فشيئا حتى ينطقع.

ب‌- خوف الصبي من الصوتين وأرقه، والبحث عن مصدرهما.

وقد أرتاع الصبي لهذا الصوت أو الصوتين حين سمعهما لأول مرة، وأتعب نفسه في التفكير فيهما والبحث عن مصدرهما، ولكنه لم يظفر من بحثه بطائل إلا أنه فقد النوم أتم ليله مؤرقا مروعا حتى رد الأمن والطمأنينة إلى قلبه صوت المؤذن وهو ينادي: “الصلاة خير من النوم ” فهب الصبي إلى الأزهر، ليسمع أحدهما درس الأصول وليسمع الآخر درس الحديث.

ت‌- تكرار سماع الصوتين وحيرة الصبي منهما.

وجعل هذان الصوتان يوقظان الصبي كل يوم في أول الثلث الأخير من الليل وجعل الصبي يراع لهذين الصوتين ولا يعرف لهما مصدرا ولا يجرؤ على أن يسأل أخاه أو غير أخيه عنهما، حتى كانت ليلة الجمعة فأيقظه الصوتان وروعاه كدأبهما في كل ليلة، ورد المؤذن إليه الأمن والهدوء كدأبه في كل صباح، ولكن الصبي لم يهب مترفقا، ولكن أخاه لم يهب عجلا عنيفا؛ فليس في فجر الجمعة ولا في صباحه دروس، وليس الشيخ الفتى ولا الشيخ الصبي في حاجة إلى أن يقعطا نوهما؛ فأما نوم الصبي فقد قطعه الصوتان وأما أخوه فلم يسمعهما هذه الليلة كما لم يسمعهما من قبل، ولبث الصبي في فراشه ضيقا بهذا السكون عاجزا عن الحركة، مسفقا أن يوقظ اخاه، حتى صليت الفجر وانتشر ضوء الشمس ونفذت بهذا السكون الغرفة فاترة، وإذا الصبي يسمع هذين الصوتين مرة أخرى، ولكنه يسمعهما هادئين رفيقين؛ فأما العصا فتداعب الأرض مداعبة يسيرة، وأما الصوت فيصافح الهواء مصافحة حلوة لا تخلو من فتور.

ث‌- الصبي يعجب لهذين الصوتين.

والصبي يعجب لهذين الصوتين اللذين يعنفان حين يسكن الليل وينام ويحسن الرفق، واللذين يرقان ويلطفان حين ينشط النهار ويستيقظ الناس ويتاح للأصوات أن ترتفع وأن تأخذ حظها من الحرية والنشاط، وهو مع ذلك مضطر إلى سكونه، مشفق إن تحرك أن ينبه أخاه، حتى تشتد حرارة الشمس على رأٍه فيستوى جالسا في أناة، ويتزحزح من مكانه في رفق حتى يبلغ مكانا لا تفلحه حرارة الشمس فيستقر فيه دون أن يتحرك.

ج‌- طرق الباب بعنف وصوت يرتفع ساخطا من خلفه.

وهو بهذا ضيق وله كاره، وعليه مكره وأخوه مغرق في نومه لا يفيق، ولكن الباب يطرق طرقا عنيفا وصوت من ورائه ينادي مرتفعا ساخطا صاخبا: “هلم يا هؤلاء، أفيقوا إلى متى تنامون أعوذ بالله من الكفر، أعوذ بالله من الضلال! طلاب علم ينامون حتى يرتفع الضحى لا يؤدون السلاة لوقتها، هلم يا هؤلاء أعوذ بالله من الكفر، أعوذ بالله من الضلال!”

ويد هذا الصوت تقرع الباب وعصاه تقرع الأرض ومن حوله ضحكات ترافقه وقد هب الشيخ الفتى لأول نبأة، ولكنه ظل في مكانه ساكنا ثابتا يغرق في ضحك مكتوم مكظوم كأنه يستحب ما يسمع ويستزيد منه ويريد أن يتصل.

ح‌- الصبي يعرف مصدرالصوتين.

– فأما الصبي فقد عرف الصوت وهذه العصا، إنه الصوت الذي كان يتطرب في الليل ، وإنها العصا التي كانت تقرع الأرض لتوقظها من نومها، من عسى أن يكون هذا الرجل ؟ وما عسى أن تكون معاه ؟ وما هذا الضحك الذي يتبعه ؟ وقد نهض الفتى جاهزا يضحكه فسعى إلى الباب ففتحه، واندفع منه هذا الرجل صاخبا : “أعوذ بالله من الكفر! أعوذ بالله من الضلال! اللهم اصرف عنا الأذى، أعذنا من الشيطان الرجيم! المسلمون أنتم أم كفار! أتتعلمون على شيوخكم هُدى أم ضلال؟!”

– وقد اندفع معه الشاب من أصحاب الفتى وهم يجارون بالضحك ويغرقون فيه، وهنالك عرف الصبي هذا الرجل وهو عمي (الحاج علي).

2- الحاج (علي الرزاز)

أ‌- صفات الحاج علي

كان عمي الحاج علي رجلا شيخا قد تقدمت به السن حتى جاوز السبعين، ولكنه احتفظ بقوته كلها؛ احتفظ بقوة فهو ماكر ماهر ظريف لبق، واحتفظ بقوة جسمه فهو معتدل الفامة، شديد النشاط، متين البنية، عنيف إذا تحرك، عنيف إذا تكلم، لا يعرف الهمس، ولا يحسن أن يخافت صوته، وإنما هو صالح دائما.

ب‌- نشأة الحاج علي الرزاز وسبب تسميته بالرزاز.

كان عمي الحاج علي فيما مضى من دهره -كما علم الصبي فيما بعد- رجلا تاجرا، قد ولد في الإسكندرية وشبَّ فيها واحتفظ بما لأهل الإسكندرية من قوة وعنف، ومن صراحة وظرف، وكان يتجر في الأرز، ومن أجل ذلك سمي عمي (الحاج على الرزاز)، فلما تقدمت به السن وأعرض من التجارة أو أعرضت التجارة عنه، وكان له بيت في القاهرة يغل عليه شيئا من مال، فاتخذ لنفسه غرفة في هذا الربع الذي لم يكن يسكنه من غير المجاورين إلا هذا الرجل وهذان الفارسيان اللذان ذكرا في بعض هذا الحديث.

ت‌- مودة حلوة متينة تجمع بين الحاج على وشباب الأزهر.

لم يكد عمي (الحاج علي) يستقر في غرفته في آخر (الربع) عن شمال إذا صعدت السلم حتى حتى لفت إليه هؤلاء الشباب من طلاب العلم، أضحكهم وراقوه، فاتصلت بينه وبينهم مودة حلوة متينة نقية فيها ظرف كثير، وفيها رقة وتحفظ يؤثران في القلوب حقا، فقد كان هذا الشيخ يعرف من هؤلاء الشباب حبهم للعلم وجدهم في الدرس، وصدوفهم عن العبث، وكان يحب منهم ذلك فإذا بدأ أسبوع العمل لم يسع إليهم، ولم يعرض لهم، حتى كأنه لا يعرفهم إلا أن يسعوا هم إليه، أو يلحوا هم عليه في أن يشهد معهم طعاما أو يشاركهم في الشاي، فإذا يوم الجمعة لم يخل بينهم وبين أنفسهم، وإنما انتظر بهم حتى يتقدم النهار وحتى يعلم أنهم قد أرضوا نفوسهم من النوم والراحة، هنالك يخرج من غرفته فيبدأ بأقرب غرف هؤلاء الشباب إليه، فيوقظ صابحها في هذا العنف والضجيج الذين رأيتهما، ثم ينتقل إلى الغرفة التي تليها ومعه صاحبه الذي أيقظه، وما يزال كذلك حتى يبلغ غرفة أخي الصبي فيوقظه علي هذا النحو والشباب من حوله فرحون يستقبلون يوم راحتهم مبتهجين، قد ابتسموا للحياة، وابتسمت لهم الحياة.

ث‌- الشيخ على يقترح على الشباب تدبير طعامهم يوم الجمعة.

إلى هذا الشيخ كان تدبير طعامهم ولهوهم البرئ في يوم الجمعة، فهو الذي يقترح عليهم طعام الإفطار وقد يعده لهم في غرفته أو في غرفة أحدهم، وهو الذي يقترح عليهم طعام العشاء ويشير عليهم بما ينبغي أن يصنعوا لإعداده، ويشرف على هذا الإعداد ويقوم منه ما يمكن أن يعوج، يصحبهم ثم يفارقهم وفيما يكون بعده من الشاي، ثم إذا وجبت المغرب أمهم في صلاتهم، فإذا وجبت العشاء فارقهم ليعدوا الدروس التي سيسمعونها من الغد.

ج‌- الحاج علي يتكلف التقوى ويتتبح عيوب الناس ويختابهم.

كان عمي (الحاج علي) يتكلف التقوى والورع، ويظهر ذلك إلى أقصى ما يظهر الناس تكلفهم وتصنعهم يبدأ بهذه الغزوة التي يجددها في الثلث الأخير من كل ليلة، فيخرج من غرفته صاخبا صالحا بذكر الله والتسبيح بحمده، ضاربا الأرض بعصاه حتى يبلغ مسجد (سيدنا الحسين)، فيقرأ فيه ورد السحر ويشهد فيه صلاة الفجر، ثم يرجع متمتما مهمهما مداعبا الأرض بعصاه فيستريح في غرفته، فإذا وجبت الصوات أداها في غرفته وقد فتح بابها وجهر بالقراءة والتكبير ليسمعه أهل الربع جميعا، فإذا خلا إلى اصحابه الشباب على طعامهم أو على شابهم او في بعض سمرهم، فهو أسرع الناس خاطرا، وأظرفهم نكتة وأطولهم لسانا وأخفهم دعابة، وأشدهم تتبعا لعيوب الناس، وأعظمهم إغراقا في الغيبة لا يتحفظ في لفظ، ولا يتحرج من كلمة نابية ولا يتردد في أن يجري على لسانه المنطلق دائما بصوته المرتفع دائما أشنع الألفاظ وأشدها إغراقا في البذاء، وأدلها على أبشع المعاني وأقبح الصور.

خ‌- توطد الحب بين الحاج (علي) والشباب.

كان أولئك الشباب يحبونه على ذلك، أو يحبونه من اجل ذلك، أو قل إنهم يحبون ذلك منه أشد الحب ويكلفون به أعظم الكلف، كأن يخرجهم من أطوارهم، ويريحهم من جد العلم والدرس، ويفتح لهم بابا من اللهو ما كانوا يستطيعون أن يلجوه حين كانوا يخلون إلى أنفسهم، بل ما كانوا يستطيعون أن يلجوه حين كانوا يلتفون حول هذا الرجل الشيخ، وحين كان يصب عليهم هرءاة هذا بغير حساب.

د‌- موقف الشباب من عبث وهزل الحاج علي معهم.

كانوا يسمعون ذلك منه ويضحكون له، حتى إن جنوبهم لتكاد تنقد من الضحك، ولكنهم على ذلك يكونوا يعيدون على الشيخ كلمة من كلماته البذيئة أو لفظا من ألفاظه النابية، فكأنما يرون شيئا يعجبهم ويلهبهم فيستمتعون به من بعيد، ولا يبيحون لأنفسهم أو لا تبيح لهم ظروفهم أن يدنوا منه أو يسعوا إليه.

ولم يكن ذلك يدل على أقل من هذه الصفة الغريبة الخليقة بالإعجاب والرحمة معا، والتي كان هؤلاء الشباب يمتازون بها عن كثير من زملائهم وأقرائهم وهي كظم الشهوات وأخذ النفس بألوان من الشدة تمكنهم من المضي في الدرس على وجهه، وتردهم عن التورط فيما كان كثير من زملائهم يتورطون فيه من هذا العبث السهل الذي يفل الجد ويفتر العزائم ويفسد الأخلاق.

وكان الصبي يسمع لهذا كله فيفهم ويحفظ ويعجب، ويسأل نفسه : كيف يجتمع طلب العلم وما يحتاج إليه من الجد مع هذا التهالك على الهزل والتساقط على السخف في غير تحفظ ولا احتياط؟! وكان يعاهد نفسه على أنه إذا شب وبلغ طور هؤلاء الطلاب الذين يكبرهم ويقدر ذكاءهم فلن يسير سيرتهم ولن يتهالك على العبث كما يتهالكون عليه.

3- يوم الجمعة يوم البطون في حياة هؤلاء الشباب.

أ‌- اجتماع القوم يوم الجمعة على إفطار غزير دسم صاخب.

كان يوم الجمعة يوم البطون في حياة هؤلاء الطلاب وفي حياة صديقهم الشيخ فكانوا إذا أصبحوا اجتمعوا إلى إفطار غزير دسم صاخب، قوامه الفول والبيض ثم الشاي، وما كانوا قد ادخروا من هذه الفطائر الجافة التي كانت أمهاتهم يزود لهم بها ويضعن في صنعها وفي تعبئتها قلوبهن الساذجة وما يملؤها من حب وعطف وحنان، وكم ذكر الصبي جهد أبيه في كسب ما لم يكن بد من كسبه من النقد لتستطيع أمه أن تهيئ لابنها زادهما، وجد أمه في صنع هذا الزاد وتكلفها الفرح وهي تهيئه، وحزنها الصامت وهي تعبئه،ودموعها المنهمرة وهي تسلم أحماله إلى من سيذهب به إلى القطار.

كم ذكر الصبي هذا كله حين كان هؤلاء الشباب يلتهمون هذا الزاد التهاما، يغمسونه في الشاي كما كان يوصيهم الشيخ أو يقضمونه بأسنانهم وأضراسهم قضمًا ثم يعبون في أكواب الشاي ليبلوه في أفواههم ولتسيغه حلوقهم بعد ذلك سهلا هنيا، وهم في أثناء ذلك يتضاحكون من دعابة الشيخ وفكاهته، لا يذكرون آباءهم وما وجدوا، ولا يذكرون آمهاتهم وما احتملن من كد وما ذرفن من دموع.

وكان الشيخ وأصدقاؤه الطلاب يُدبرون عشاءهم أثناء الدورة الثانية والثالثة من الشاي الذي يقبلون عليه بعد الإفطار.

ب‌- الشبان يشتركون في شراء طعام العشاء وإعداده.

كان تدبيرهم لهذا العشاء يقبض نفس الصبي ويملرها خجلا، فلما فكر فيه بعد أن تقدمت به السن وجد لذكراه حنان وإعجابا، كانوا يتداولون ويتشاورون، ولم يكن ميدان مداولاتهم ومشاوراتهم واسعا ولا عريضا وإنما هما لونان من ألوان الطعام لم يشذوا عنهما قط: فإما البطاطس في خليط من اللحم والطماطم والبصل، وإما القرع فيخليط من اللحم والطماطم والبصل وشئ من الحمص، وكانوا يتفقون على أقدار ما يشترون من هذه الأًصناف كلها، ثم يقدرون ثمن ما سيشترون، ثم يخرج كل منهم حصته من هذا الثمن إلا الشيخ فكانوا يخرجونهمن هذه الغرامة، فإذا اجتمع لهم ما يحتاجون إليه من نقد، ذهب أحدهم فاشترى لهم طعامهم فإذا عاد بما اشترى نهض أحدهم إلى موقدة فأوقد فيه ناره من هذا الفحم البلدي، حتى إذا صفت جذوته أقبل على الطعام يهيئه وأصحابه ينظرون إليه مجتمعين او متفرقين، والشيخ يلقى إليه نصائحه بين حين وحين، حتى إذا تم له من تهيئة الطعام ما أراد خلى بينه وبين هذه النار تنضجه عى مهل، واجتمع القوم إلى صديقهم الشيخ يعبئون، أو إلى أنفسهم يدرسون، وطاهيههم يخطف نفسه بين حين وحين ليلقى نظرة على هذا الطعام مخافة ان يحترق أو يفسد، وليلقى عليه بين حين وحين قطرات من ماء وكلهم يتنسم هذه الرائحة الذكية التي تبعثها من هذا الطعام كلما تقدمت به إلى الإنضاج.

ت‌- المحرومون من الطلاب والعمال يتلذذون برائحة الطعام.

وكلهم يجد في تنسم هذه الرائحة مقدمة لذيذة لعشاء لذيذ، ومن المحقق أنهم لم يكونوا وحدهم يصطنعون هذا الطعام، وإنما كان لهم في (الربع) زملاء يصطنعون مثله، ويشمون رائحته مثلهم، ومن المحقق لهم أيضا أن قد كان لهم في الربع زملاء تقصر بهم ذات أيديهم عن أن يصنعوا لأنفسهم من الطعام مثل ما كانوا بصنعون، ومن المحقق أيضا أن هؤلاء العمال الذين كانوا يسكنون الدور السفلى من الربع كانت تقصر بهم ذات أيديهم عن أن يطرفوا أنفسهم وأبناءهم ونساءهم بمثل هذا الطعام، وأكبر الظن أنهم كانوا يجدون من نسائهم لهذا الحرمان هما ثقيلا، وأكبر الظن أن هؤلاء المجرمين من الطلاب والعمال كانوا يجدون هذه الروائح التي كانت تملأ الربع يوم الجمعة لذة مؤلمة أو ألما لذيذا.

ث‌- إقبال القوم على طعامهم وصراحة الحاج علي معهم.

كانت نار هذا الفحم البلدي بطيئة طويلة البال، فكان ذلك يطيل لذة قوم، ويمد ألم آخرين، حتى إذا صليت العصر ودعيت الشمس إلى الغروب كان الطعام قد نضج، فاجتمع القوم حول مائدتهم وأقبلوا على طعامهم في نشاط يشبه الجد الهازل أو الهزل الجاد، كلهم حريص على أ، يستوفى حظهم من هذا الطعام وكلهم يراقب أصحابه أن يسبقوه أو يستطوا عليه وكلهم يستحى أن يظهر هذا الحرص أو يبدي هذه المراقبة ولكن الشيخ معهم، فصراحته تغني عن صراحتهم، وهزله يفضح ما أسروا من الجد فهو يراقبهم جميعا وهو يقسم الطعام بينهم بالعدل، وهو يصد أحدهم أن هم أن يجور على أصحابه، لا يخفى ذلك ولا يتحفظ فيه، وإنما يعلنه صاخبا كعادته منبها هذا إلى أنه يخدع نفسه عن قطعة البطاطس بقطعة اللحم ومنبها ذاك إلى أنه يسرف على نغسه وعلى أصحابه بما يعترف في لقمته الغليظة من جامد  الطعام أو سائله، مرسلا ألفاظه إلى هذا وذاك في هزل يخف على أسماعهم ويحسن موقعه من نفوسهم، ويضحكون ولا يؤذيهم فيما ينبغي لهم من الحياء.

ج‌- اضطراب الصبي أثناء معركة الطعام الضاحكة.

والصبي في أثناء هذه المعركة الضاحكة خجل وجل مضطرب النفس مضطرب حركة اليد، لا يحسن أن يقتطع لقمته، ولا يحسن أن يغمسها في الطبق، ولا يحسن أن يبلغ بها فمه، يخيل إلى نفسه أن يعون القوم جميعا تلحظه، وأن عين الشيخ خاصة ترمقه في خفية، فيزيده هذا اضطرابا، وإذا يده ترتعش وإذا بالمرق يتقاطر على ثوبه، وهو يعرف ذلك ويألم له ولا يحسن أن يتقيه، وأكبر الظن بل المحقق أن القوم كانوا في شغل عنه بأنفسهم، وآية ذلك أنهم يفكرون فيه ويلتفتون إليه ويحرضونه على أن يأكل ويقدمون له مالا تبلغه يده فلا يزيده ذلك إلا اضطرابا واختلاطا، وإذا هذه المعركة الضاحكة مصدر الم لنفسه وحزن لقلبه، وكانت تبلغه يده أنتسره وأن تضحكه ولكنها إن آذته في أثناء الطعام فقد كانت تسره وتسليه وتضطره أحيانا إلى أن يضحك وحده إذا خلا إلى نفسه بعد أن يشرب الجماعة شايهم وينتقلوا إلى حيث يدرسون أو يسمرون، وكذلك أنفق هؤلاء الشباب أعواما طويلة مع هذا الشيخ وشب الصبي في هذا الحياة الضاحكة بفضل (الشيخ علي) على رغم ما كان يعترض طريقها من أسباب الألم والأسى.

4- تطرق الجماعة في اطراف المدينة، ونسيان الحاج علي.

ثم تفرقت الجماعة، وذهب كل من هؤلاء الشباب لوجهه، وتركوا (الربع) واستقروا في اطراف متباعدة من المدينة، وقلت زيارتهم للشيخ، ثم انقطعت ثم تناسوه ثم نسوه.

5- وفاة الحاج علي الرزاز ودعاءه لأخي الصبي قبل موته.

في ذات يوم حمل إلى أفراد هذه الجماعة نعي الشيخ، فحزنت قلوبهم ولم يبلغ الحزن عيونهم، ولم يرسم آياته على وجوههم، وأخبر المخبر الصادق أن آخر كلمة نطق بها الشيخ وهو يحتضر إنما كانت دعاءه لأخي الصبي، فرحم اللهعمي الحاج عليًّا! لقد كان ظله على الصبي ثقيلا، وإن ذكره ليملأ قلبه بعد ذلك رحمة وحنانا. 

 *  *  *

 لمتابعة مبادرة (اقرأ من جديد) اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى