ملخص قصة الأيام ( الجزء الثاني) | الفصل الخامس – الإمام محمد عبده والأزهر

 ملخص قصة الأيام ( الجزء الثاني) | الفصل الخامس – الإمام محمد عبده والأزهر

ملخص قصة الأيام ( الجزء الثاني) | الفصل الخامس - الإمام محمد عبده والأزهر

الفصل الخامس – الإمام محمد عبده والأزهر

كان أزهري يسكن الربع في غرفة مجاورة للشباب الأزهريين.

كان هذا الشاب أقدم من الطلاب بالأزهر، وكان نحيف الصوت ضيق العقل، لا يستقر في رأسه علم، وكان يشهد دروس الفقه والبلاغة ودرس الإمام محمد عبده، ولكنه لا يشهد دس الأصول؛ لأنه يؤثر الراحة فموعده كان مع الفجر وهو لا يتيقظ مبكرا.

من صفات هذا الشاب أنه كان بخيلا يُقتر على نفسه في الخلفاء وحينما يقترب من الطلاب ينفق في سعة ويقدم لهم المال رفيقا بهم متلطفا لهم وكانوا يحمدونه على ذلك، ولكنهم كانوا لا يطيقون جهله، ويسخرون منه دون أن يغضب منهم.

طلاب الأزهر ومحمد عبده وكتب الأزهر.

لقد كان هؤلاء الطلاب يضيقون بكتب الأزهر التي فيها جمود ويعتمدون على كتب يختارها لهم الإمام محمد عبده، وكان مشايخ الأزهر يبغضون هذه الكتب؛ لأن الإمام هو الذي دلَّ عليها ونوذَه بها، وكان المنافسون للإمام يقلدونه فيوجهون الطلاب إلى كتب قيمة أخرة، وكان هؤلاء الطلاب يفخرون على يد الإمام والشيخ بخيت وأبي خطوة والشيخ راضي سواء في المساجد أو حتى في بيوتهم.

الشاب الأزهري وجهله بالعَروض

كان هذا الشاب شديد الجهل بعلم العروض ويدعى العلم به ولا يعرف من بحور الشعر سوى البسيط، وكان يرد أي بيت من الشعر عروضيا إلى هذا البحر، مما يجعلهم يغرقون في الضحك والازدراءمنه مع أنه كان لا يغضب من ذلك، وكان يظهر العطف على الصبي، ويقرأ معه أحيانا كتب الحديث والمنطق والتوحيد، وقد اتصل هذا الشاب بأبناء الأسر  الثرية وتزوج منها وظل على علاقته بالشباب يزورهم ولكنه تخلف عن الدروس.

ظهور حقيقة الشاب مع محنة الإمام السياسية وخروجه من الأزهر.

وفي أثناء ذلك أبدى هذا الشاب موقفا غريبا متصل بالأستاذ وشيعته ومتصل بخصومه وينقل أسرار المضربين أعوان الإمام فكرهه الجميع وقطعوا صلتهم به ومات دون أن يتأثر أحد لموته أو يحزن عليه.

أحداث الفصل الخامس

1- شاب قديم الصلة بالأزهر يسكن غرفة من غرفات الربع.

وغرفة أخرى من غرفات هذا الربع كانت تقوم فيه بعيد عن شمالك إذا صعدت السلم وكانت مصدر فكاهةودعابة ولهو لهؤلاء الشباب أيضا، كان يسكنها شاب لعمله كان أكبر من هؤلاء الطلاب شيئا، وقد كان أقدم منهم عهدا بالأزهر ، ولكنه كان من جيلهم ومن طبقتهم على كل حال.

أ‌- صفات هذا الشاب.

كان نحيف الصوت يكفي أن تسمعه لتضحك من صوته، وكان ضيق العقل لم يأذن الله للون من ألوان العلم أن يستقر في رأسه لأن عقله كان محدودا محصورا وكان قصير الذكاء لم يأذن الله لذهنه أن ينفذ إلى أقرب شئ وراء ما كان يقرأ في الكتب على اختلافها، وكان مع ذلك واسع الثقة بنفسه بعيد الطمع في مستقبله مطمئنا في غير تكلف إلا أنه كأصحابه هؤلاء الذين يعيش معهم ويشاركهم في أكثر ما يختلفون إليه من الدروس.

ب‌- الشاب يشهد دروس الأزهر ما عاد درس الأصول.

كان الشاب يشهد معهم درس الفقه ودرس البلاغة ودرس الأستاذ الإمام ولم يكن يخف لدرس  الأصول؛ لأن هذا الدرس كان يقتضيه أن يخرج من غرفته مع الفجر، وقد كان لراحته مؤثرا وبها ضنينا وكان يشارك أصحابه في بعض مطامعهم، وكان يشاركهم بنوع خاص في هذه المطالعات التي لا تتصل بالدروس المنظمة ولا بالكتب التي كان الشيوخ يقرءونها.

2- أثر الإمام محمد عبده في طلابه.

فقد هؤلاء الشبان يضيقون بكتب الأزهر ضيقا شديدا، يتأثرون في ذلك برأي أستاذهم “الإمام” في كتب الأزهر ومناهجه.

كانوا يسمعون من الأستاذ الإمام حين يشهدون درسه او حين يزوروناه في داره أسماء كتب قديمة في (النحو، البلاغة، التوحيد، والأدب أيضا)

وكان هؤلاء الطلاب لا يكادون يسمعون اسم كتاب من هذه الكتب حتى يسرعوا إلى شرائه إن وسعهم ذلك، وربما كلفوا أنفسهم في هذا الشراء جهدا ثقيلا وحرمانا شديدا، فإن أعياهم ذلك استعاروه من مكتبة الأزهر، ثم أقبلوا عليه ينظرون فه، ثم اتفقوا على أن يقرءنوه جماعة، ويتعاونوا على فهمه.

3- موقف شيوخ الأزهر من الكتب التي كان ينوه عليها الإمام محمد عبده.

كانت هذه الكتب بغيضة إلى شيوخ الأزهر لأنهم لم يألفوها، وربما اشتد بعضهم لهذه الكتب لأن الأستاذ الإمام قد دل عليها ونوه بها، وكان الذين ينافسون الأستاذ الإمام من الشيوخ الأعلام يحاولون أن يذهبوا مذهبه فيدلون طلابهم على كتب قيمة أخرى، لا تقرأ في الأزهر؛ لأن الأزهريين لم يألفوا قراءتها.

4- الشباب يفخرون يتلمذتهم على يد الأستاذ (الإمام والشيخ بخيت والشيخ أبي خطوة والشيخ راضي)

كان يدفعهم إلى ذلك حبهم الصادق للأستاذ الإمام ورغبتهم الصادقة في العلم والاطلاع وربما دفعتهم إلى ذلك مع هذه العاطفة شئ من غرور الشباب.

5- مظاهر حب التلاميذ لهؤلاء الشيوخ.

فقد كانوا يفخرون يتلمذهم للأستاذ (الإمام وللشيخ بخيت للشيخأب يخطوة وللشيخ راضي)

كانوا يملأون أفواههم بأنهم تلاميذ هؤلاء الأئمة ومن تلاميذهم المقربين المصطفين.

ولم يكونوا يكتفون بالاختلاف إلى هؤلاء الشيوخ في دروسهم.

وإنما كانوا يزورون شيوخهم في بيوتهم.

وربما شاركوهم في بعض البحث.

وربما استمعوا منهم دروسا خاصة في يوم الخميس بعد أن تصلي الظهر أو بعد أن تصلى العشاء.

وكانوا لا يكرهون أن يعرف عنهم زملائهم هذا كله، وأن يتحدث عنهم زملائهم بأنهم يقرءون فيما بينهم هذا الكتاب أو ذاك في هذا الفن أو ذاك.

6- نتائج حب التلاميذ لهؤلاء الشيوخ.

كانوا قد وصلوا بهذا كله إلى شئ ظاهر من الامتياز بين زملائهم حتى عرفوا في الأزهر كله بأنهم أنجب طلاب الأزهر وأخلقهم بالمستقبل السعيد، فكان من العقول أن يسعى إليهم الأوساط من زملائهم يلتمسون التفوق في الاتصال بهم والامتياز حين يعرف الناس أنهم من أصدقائهم وأصفيائهم، ويلتمسون بذلك الوسيلة إلى أن يتصلوا بكبار الشيوخ وأئمة الأساتذة وكان صاحبنا من هؤلاء الطلاب الأوساط، قد اتصل بهذه الجماعة من الطلاب، وليقول زملاؤه إنه واحد منهم، وليستطيع بحكم هذه الصلة أن يصحبهم في زيارتهم للأستاذ الإمام أو الشيخ بخيت.

7- ساكن الغرفة يتقرب إلى الطلاب النجباء من شباب الأزهر.

كان غرور الشباب يحبب إلى هذه الجماعة هذا النوع من الامتياز، ويهون عليها قبول هؤلاء الطفليين في العلم من ضعاف الطلاب وأوساطهم، ثم يتيح لهم بعد ذلك، حين يخلون إلى أنفسهم وقد احصوا على هؤلاء الزملاء جهالاتهم وسخافااتهم وأغلاطهم الشنيعة، أن يعيدوا ذلك وأن يضحكوا منه ملء أفوههم وملء جنوبهم أيضا.

وأكبر الظن أن صاحبهم هذا قد عرفهم في بعض الدروس، فما زال يدني نفسه منهم، يشاركهم في الدرس، ويشاركهم في الشاي، ويشاركهم في الزيارات ويشاركهم في بعض الشهرة،لكن الله لم يفتح عليه قط بأن يشاركهم في العلم والفهم، وفي الإبانة والإيضاح، ويظهر أنه كان أوسع منهم يدا، وأكثر منهم مالا، أو قل إنه كان يقتر على نفسه إذا خلا إليها، فإذا اتصل بأصحابه يسر على نفسه وأنفق عن سعة وربما كان يشعر بحاجتهم إلى النقد لشراء كتاب، أو لأداء دين عاجل، أو لإرضاء حاجة ملحة، فيقدم إليهم من ذلك ما يريدون رفيقا بهم متلطفا لهم وكانوا يعرفون ذلك له ويحمدونه، ولكنهم لم يكونوا يطيقون جهله، وربما لم يملكوا أنفسهم من الضحك من هذا الجهل بمحضر منه، وردوا عليه سخفه ردا عنيفا فيه كثير من الازدراء القاسي ولكنه كان يقبل ذلك راضيا، ويتلقاه باسما، وما أظن أنهم قد عرفوا في وجهه الغضب يوما على كثرة ما كانوا يثقلوا نعليه بالغض منه والازدراء له.

8- جهل وغباء ساكن الغرفة والسخرية منه.

كان أجمل ما كانوا يتندرون به عليه علمه بالعروض أو جهله فكلاهما سواء، كان يطالع معهم كتابا في النحو، فلا يكاد يعرض لهم شاهد – وما أكثر ما تعرض الشواهد في كتب النحو! – حتى يكون أسرعهم إلى رد هذا الشاهد إلى بحر من أبحر العروض، لم يكن يختلف قط، وإنما كان (بحر البسيط) دائما. 

وقد يكون البيت من الطويل وقد يكون من الوافر، وقد يكون من أي بحر من أبحر الشعر ولكنه كان بسيطا دائما.

والغريب أنه لم يكن يكتفي بالإسراع إلى إعلان أن هذا البيت من البسيط، وإنما كان يسرع فيأخذ في تقطيع البيت برده إلى البسيط ، مهما يكن وزنه، فيقطع على الجماعة درسهم، ويدفعهم إلى بحر من الضحك لا يكاد يعرف له حد، وقد كثر منه ذلك حتى أغرى به أصحابه وأطمعهم فيه، فكانوا كلما عرض لهم بيت من الشعر أظهروا العجز عن رده إلى وزنه حتى يبنئهم صاجبهم بأنه من (البسيط) فإذا فعل أظهروا العجز عن تقطيع البيت حتى يأخذ صابحهم في تقطيعه فيرده إلى البسيط، وهناك يستأنفون الضحك، ويستأنفون الاستهزاء، ويلقاهم هو بهذه الابتسامة الراضية التي لا تعرف الغضب ولا الغيظ.

9- ساكن الغرفة يتخلف عن الدروس.

قد أقام هذا الشاب على ذلك مع أصدقائه أعواما طوالا لم يغاضبهم ولم يغاضبوه، وكأنه أحس آخر الأمر أنه ليس من تلك الحلبة، وأنه لا يستطيع أن يجري في ذلك الميدان، فأخذ يتخلف قليلا قليلا عن الدروس، ويتكلف التعلات المعاذير، ولا يشارك القوم في مطالعتهم، ويكتفي بالمشاركة في الشاي والطعام أحيانا والزيارات دائما.

10- علاقة الصبي بساكن الغرفة.

وقد تقدمت السن بالصبي في أثناء ذلك، وتقدم به الدرس أيضا، وإذا هذا اشاب يظهر العطف عليه والقدر له، وإذا هو يعرض عليه أن يقرأ معه الكتب، ويعرض عن مشاركة أقرانه وأنداده إىل مشاركة هذا الغلام الناشئ، ويأخذ الغلام في أن يقرأ معه كتبا في الحديث وأخرى في المنطق وأخرى في التوحيد، ولكنه لا يجد عنده غناء وليس الغلام فارغا للضحك منه والتندر به، وليس هو قادرا على ذلك ولا راغبا فيه، وإذا هو يحتال في التخلص منه والمضي لشأنه.

11- ارتقاي حياة الشباب الاجتماعية واتصالهم بطبقة الأثرياء.

وإذا هذا الرجل يترك العلم أو يتركه العلم، ولكنه يظل محسوبا على الأزهر طالبا فيه مشاركا لأصحابه في الناحية الاجتماعية من حياتهم.

وقد ارتقت حياتهم بعض الشئ،ر بقاها ذكاؤهم وجدهم وتفوقهم ورشا الأستاذ الإمام عنهم وتقريبه إياهم وإذا هم يتصلون بفلان وفلان من أبناء (الأسر الغنية) الثرية الذين كانوا يطلبون العلم في الأزهر إذا ذاك، وإذا الزيارات تتصل بينهم وبين هؤلاء الشبان الأغنياء الأثرياء، وصابحهم يزور ويزار، وترتقي حياته الاجتماعية كما ارتقت حياة أصحابه، ولكن أصحابه لا يحسون هذا الارتقاء ولا يكادون يشعرون به، وهم إذن لا يتحدثون به ولا يتمدحون بزياراتهم لتلك البيوت الممتازة وجلوسهم إلى أًصحابها الناهبين، وإنما يرون ذلك شيئا طبيعيا مألوفا، فأما صاحبهم فهو الذي يراه المجد كل المجد، ويستمد منه الغبطة كل الغبطة والغرور كل الغرور، ويستغله لبعض منافعه المادية أحيانا، ويتحدث به دائما إلى من أراد أن يسمع له ومن لم يرد.

12- تفرق الطلاب ولقاء ساكن الغرفة عند أصحاب المنزلة والثراء.

وتمضي الأيام ويتفرق هؤلاء الطلاب، وقد أخذ كل واحد منهم طريقه في الحياة، ولكن هذا الرجل لا ينساهم ولا يسمح لهم أن ينسوه قد عجز عن تتبعهم في العلم فليتتبعهم فيغيره مما تمتلئ به الحياة، يزورهم وإن لم يزوروه، ويلقاهم في زيارتهم عند فلان أو فلان، من ًأصحاب المنزلة والثراء.

13- محنة الإمام وخيانة ساكن الغرفة.

قد خرج الأستاذ من الأزهر في تلك المحنة السياسية المعروفة، وإذا صاحبنا متصل بالأستاذ وشيعته متصل بخصوم الأستاذ الإمام وشعيتهم أيضا، وقد أخذ الأزهر يضطرب، ودخلت السياسة في ذلك الاضطراب واختصمت فيه السلطتان، وإذا صابحنا يتصل بالمضربين مشاركا لهم في الإضراب، ويتصل بخصوم الإضراب مفضيا لهم أسرار المضربين، ويتكشف الأمر ذات يوم، ويا له من يوم! عن صاحبنا قد كان متصلا بالمحافظة فتطقع الصلة قطعا عنيفا بينه وبين أصدقائه، ويرد عن البيوت التي كان يسعى إليها ويستقبل فيها، ويقبع في غرفته تلك في (الربع)، وقد خسر الناس جميعا ولم يخسره أحد، وقد قصرت بع همته عن درجة الأزهر فهو ينفق حياته الخاملة وحيدا بائسا محتملا خموله على مضض مكتسبا عيشه في مشقة.

14- موت ساكن الغرفة.

ثم ينبئ المنبئ ذات يوم بأنه قد مات، أمات من علة ؟ أمات من حسرة؟ أم مات من حرمان؟ ولكن أصدقاءه يسمعون النعي فلا يأخذهم وجوم، ولا يمس نفوسهم حزن، وإنما يتُّلون الآية الكريمة التي نتلوها دائما حين ينعي إلينا الناس : “إنا لله وإنا إليه راجعون”

 *  *  *

 لمتابعة مبادرة (اقرأ من جديد) اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى