ملخص قصة الأيام ( الجزء الثاني) | الفصل التاسع – تغير حياة الصبي

 ملخص قصة الأيام ( الجزء الثاني) | الفصل التاسع – تغير حياة الصبي 

ملخص قصة الأيام ( الجزء الثاني) | الفصل التاسع - تغير حياة الصبي

الفصل التاسع – تغير حياة الصبي

مظاهر تغير حياة الصبي بعد وصول ابن خالته

الربع : هجر الصبي مجلسه من الغرفة على البساط القديم إلا عند الإفطار والعشاء، وكان يقضي يومه كله في الأزهر وفيما حوله من المساجد، كذلك عرف الصبي أكثر مما كان يعرفه، عاش جهرة بعد أن كان يعيش سرا.

اتفاق يومه : لقد خصص له أخوه قرشا واحدا كل يوم مع أربعة أرغفة ومن هذين كانت حياة الصبي وابن خالته، وكانا ينفقانه في شراء البلبلة والهريسة والبسبوسة والتين المرطب، وأما إفطارهما فالفول النابت يدفعان له مليمين ونصف العلم مع حزمتين من الكراث، أما العشاء فعسل أسود أو أبيض.

حياة الصبي في الأزهر :

لقد كان الصبي حريصا على حضور دروس شيخه المجد المحافظ في الفقه والنحو : طاعة لأخيه وإرضاء تنفسه ويواظب عليه ليتعلم النحو، وقرر مع صديقه أن يحضرا درس النحو لشيخ جديد في الدرجة قديم في الصلة بالأزهر؛ ليلهو بالنحو، وكان الشيخ يبدأ درسه في النحو بقراءة شرح الكفراوي، وعرف عن شيخه أنه غليظ يقرأ ويسأل الطلاب ويرد عليهم في عنف، وقد يشتم أو يلكم أو يضرب طلابه بحداثه، من أجل هذا أشفق الطلاب من سؤاله وتركوه وشأنه؛ لذلك انتهى من شرح كتابه سريعا.

وحرصا على تقليد الكبار كان الصبيان يحضران درسا في المنطلق بعد صلاة المغرب على يد شيخ لم يحمل على العالمية، ولم يكن بارعا في العلم ولا ماهرا في التعليم، وكان هذا الشيخ سريع الغضب والحدة إلا أنه لا يضرب ولا يشتم تلاميذه.

بعد انقضاء السنة الأولى، أقبل الصيف فرغب الصبي في البقاء والقاهرة وعدم العودة إلى الريف، لأنه أحبها وشق عليه فراقها؛ لأنه كان يريد الاقتداء بأخيه حتى تجله الأسرة ولعدم كأخيه مجدا مجتهدا، ولكنه في النهاية وجد نفسه في القطار عائدا إلى بلدته.

أحداث الفصل التاسع 

1- مظاهر تغير حياة الصبي.

وأيسر ما تغير من حياته المادية أنه هجر مجلسه من الغرفة على البساط القديم الذي بسط على الحصير البالي العتيق، فلم يعرفه إلا حين كان يجلس للإفطار أو العشاء، وحين كان يأوي إلى مضجعه حين يتقدم الليل.

كما أنه كان يقضي يومه كله او أكثره في الأزهر، وفيما حوله من المساجد التي كان يختلف فيها إلى بعض الدروس.

2- تعرف الصبي (الربع) وشئون أهله أكثر مما عرف.

فإذا عاد إلى الربع لم يدحل الغرفة إلا ليتخفف من عباءته، ثم يعود فيخرج منها ليجلس مع صاحبه على فراش ضيق من اللبد قد فراش أمامها وأخذ الطريق على المارة فلم يخل لهم منه إلا موضع أقدام الرجل الواحد أو الرجلين.

وفي هذا المجلس كان الصبيان يلهوان بالحديث قليلا وبالقراءة كثيرا، وقد يفرغان لما كان يجري في الطبقة السفلى من حركة وحديث، يسمع أحدهما ويرى الآخر ويفسر لصاحبه ما لا يرى.

وكذلك عرف الصبي (الربع) أكثر مما كان يعرفه، وعرف من شئون أهله أكثر مما كان يعرف، وسمع من أحاديثهم أكثر مما كان يسمع، عاش جهرة بعد أن كان يعيش سرا، ولكن حياته الخصبة الممتعة منذ أقبل عليه صديقه لم تكن في الغرفة ولا في (الربع)، وإنما كانت في الأزهر نفسه، فقد استراح الصبي من درس الفجر وتلبث في غرفته حتى يدنو درس الفقه.

3- الصبيان في طريقهما إلى الأزهر.

(من حارة الوطاويط إلى شارع خان جعفر إلى شارع سيدنا الحسين)

فإذا حان وقت الدرس خرج مع صاحبه إلى الأزهر، فسلكا الطريق نفسها التي كان يسلكها مع أخيه، ولكنهما يسلكان هذه الطريق متحدثين بالجد مرة وبالهزل مرة أخرى، وقد ينحرفان من حارة (الوطاويط) تلك الحارة القذرة إلى شارع  (خان جعفر) ذلك النظيف، ويخلصان على كل حال إلى شارع (سيدنا الحسين) والغريب أن الصبي تعود منذ أن أقبل صديقه عليه ألا يمر بمسجد (سيدنا الحسين) ولا يدخله إلا أن قرأ الفاتحة، عودة صديقه هذه العادة فدأب عليها، وقد تقدمت به السن واختلفت عليه أطوار الحياة وما ذكر أنه بمسجد (سيدنا الحين) إلا قرأ في نفسه هذه السورة الكريمة من سور القرآن.

4- كانا يأكلان طرائف الطعام والشراب في أثناء سيرهما.

كان اخو الصبي قد خصص له ولصاحبه مقدارا يسيرا جدا من النقد ثمنا لإفطارهما، على أن يأخذ بعد درس الفقه جراية الشيخ الفتى من (رواق الحنفية) وكانت أربعة أرغفة، فيأكلان منها رغيفين إذا أفطرا ويحفظان منها رغيفين للعشاء ، ومع أن هذا المقدار الذي خصص لهما من النقد قد كان يسيرا ضئيلا لا يتجاوز القرش الواحد في كل يوم، فقد عرفا كيف يحتلان وكيف يقتصدان ليمتعا أنفسهما ببعض ما كانت نفوسهما تتوق إليه من طرائف الطعام والشراب، وما يمنعهما أن يغدوا ذات صباح مع الطير، فإذا تجاوزا ذلك الباب المقفل من فجولة الضيقة، والستدارا ليأخذ طريقهما نحو الأزهر.

وقفا عند بائع (البليلة) فأخذا قدرا من هذا الطعام الذي كانا يحبانه أشد الحب، لكثرة ما أكلا منه في الريف، ولكثرة ما أكلا منه في الريف، ولكثرة ما كان يوضع عليه من السكر الذي يختلط بحياته الغلاظ ويذوب في مائه الشديد الحرارة جدا، فلا يكادان يسيغانه حتى يطرد عنهما بقية النوم في جسميهما النشاط ويثير في أفواهما وأجوافهما لذة كانا يقدرانها قدرها، ويهيئها تهيئة صالحة لدرس الفقه، يسمعان لحديث الشيخ وقد عمرت بطونا رءوسهما معا.

وما يمنعهما إذا كانا في شارع سيدنا الحسين أن يعطفا على هذا البائع أو ذاك فيلجسا على مجلس ضيق من الخشب قد ألقى عليه حصير ضيق أحيانا، ولم يلق عليه شئ أحيانا أخرى ولكنه كان وثيرا على كل حال؛ لأن الجلوس عليه كان يصحبه انتظار لذة كان يحبانها ويقدرانها، لذة هذا التين المرطب الذي يقدم إليهما في إناء صغير، فيلتهمانه التهاما ثم يعبان في مائه عبا، ثم يأكلان ما كان تحته من زبيب في أناة وهدوء! 

وما يمنعهما حين يعودان قُبيل العصر أو يعيده أن يجورا على ثمن العشاء فيقفا عند بائع (الهريسة أو بائع البسبوسة) ويرضيا لذاتهما البريئة إلى هذا اللون من الحلوى أو ذاك أو ليس على إفطارهما ولا على عشائهما بأس.

5- الإفطار الشهي بالفول النابت وعرفته بثلاثة مليمات.

فأما الإفطار فقد كان أمره يسيرا جدا زيارة لبائع من هؤلاء الباعة الذين كانوا يعرضون الفول النابت، ومعهما رغيفهما وهما يدفعان إلى هذا البائع (مليمين ونصف مليم) وقد اشتريا بنصف مليم حزمة أو حزمتين من كراث، وهذا البائع يقبل عليهما بإناء ضخم عميق قد امتلأ مرقا وسبحت فيه حبات من الفول وألقى عليه من الزيت فهما يغمسان خبزهما في المرق، ويتصيدان ما تيسر من حب، ويلتهمان ما تحمله يدهما اليسرى إلى أفواهما من الكراث وما يبلغان آخر الرغيف وآخر الكراث حتى يبلغا حظهما من الطعام وقد امتلأ حتى كادا يكتظان، ولكن في الإناة بقية من مرق فكان الصبي يستحي أن يجيب صاحبه إلى ما يعرض عليه من شرب هذا المرق، وكان صاحبه يضحك منه ويرفع الإناء فيعب فيه حتى يرده إلى البائع نظيفا، فقد أفطر شرب هذا إذا ولم ينفقا أكثر من (ثلاثة مليمات) وقد غنما ما طعما قبل الدرس، وما عليهما الآن إلا أن يعودا إلى الأزهر ليرضيا عقولهما بعد أن رضيت أجسامهما.

6- حضور درس الفقه والنحو مع الشيخ المجدد (للتعلم).

كان الصبي قد حرص كل الحرص على أن يواظب على درس شيخه المجدد المحافظ في (الفقه والنحو) ، طاعة لأخيه من جهة وإرضاء لنفسه من جهة أخرى ولكنه كان شديد الطمع في أن يسمع لغير هذا الشيخ، وأن يذوق غير هذين اللونين من ألوان العلم، وقد أتيح له ذلك في غير مشقة ولا جهد بفضل هذه الدروس التي كانت تلقى في الضحى بعد أن يفرغ الطلاب من إفطارهم.

7- الصديقان يحضران شرح الكفراوي للشيخ التقليدي. (للهو).

وقد قرر الصديقان أن يحضرا شرح (الكفراوي) وكان يلقى في الضحى من كل يوم، بلقبه شيخ جديد ولكنه قديم، جديد في الدرجة، قديم في الصلة بالأزهر، قد تقدمت به السن وطال عليه الطلب حتى ظفر بدرجته، وبدأ كما كان يبدأ أمثاله بقراءة (شرح الكفراوي)، وكان الصبي يسمع من شيخه الأول ومن أخيه وأصحابه عبثا كثيرا (بشرح الكفراوي)، وسخطا كثيرا عليه، فكان ذلك يغريه به ويرغبه فيه.

وما هي إلا أن يحضر الدرس ويسمع الأوجه، التسعة في قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) وإعرابها حتى يفتن بهذا اللون من العلم ويكلف به أشد الكلف، وإذا هو يواظب مع صاحبه في دقة على هذا الدرس من دروس النحو، ويواظب في دقة أيضا على درسه القديم، وكان يرى أنه يتعلم النحو في درسه القديم، وأنه يلهو بالنحو في درسه الجديد، وكان يلهو في درسه الجديد حقا، يلهو بهذا الإعراب المتصل الذي ألح فيه الشارح على المتن إلحاحا شديدا.

8- ملامح شخصية (شيخ النحو) ومعاملته القاسية لطلابه.

وكان يلهو خاصة بالشيخ الذي كان يقرأ متنه عريضا وكان الشيخ على ذلك من أهل الصعيد أو قل من أقصى الصعيد، وكان قد احتفظ بلهجته الإقليمية لم يغير منها شيئا لا في الكلام ولا في القراءة ولا في الغناء.

معاملة غير تربوية:

وكان الشيخ على هذا كله غليظ الطبع، يقرأ في عنف، ويسأل الطلاب ويرد عليهم في عنف، وكان سريع الغضب، لا يكاد يسأل حتى يشتم: فإن ألح عليه السائل لم يعفه من لكمة إن كان قريبا منه، ومن رمية بحذائه إن كان مجلس بعيدا، وكان حذاء الشيخ غليظا كصوته جافيا كثيابه؛ فلم يكن يتخذ العباءة؛ إنما كان يتخذ “الدفية” كان حذاء الشيخ غليظا جافيا، وكانت نعله قد ملئت بالمسامير أو كان ذلك أمتن للحذاء وأمنع له من البلى ففكر في الطالب الذي كانت تصيبه مسامير هذا الحذاء في وجهه أو فيما يبدو من جسمه.

نتيجة هذه المعاملة : إشفاق الطلاب من سؤال الشيخ التقليدي.

ومن أجل هذا أشفق الطلاب من سؤال الشيخ وخلوا بينه وبين القراءة والتفسير والتقرير والغناء، ومن أجل ذلك لم يضع الشيخ وقته ولا وقت الطلاب، وبدأ سنته الدراسية (بشرح الكفراوي) ولم تنته هذه السنة حتى كان قد أتم شرح (الشيخ خالد) إلا كتابا واحدا وعلى حينلم يكن ذلك الشيخ المجدد المحافظ قد تجاوز بطلابه القليلين الأبواب الأولى من النحو.

شرح الكفراوي وشرح الشيخ خالد من كتب النحو التي تُدرس بالأزهر.

9- الصبي يسلك طريق غيره من الأزهريين في طلب الفقه والنحو.

وكان لهذا كله في حياة الصبي النحوية، إن صح هذا التعبير فقد قضى إجازة الصيف وعاد إلى القاهرة فلم ير شيخه المحافظ المجدد، إنما سلك طريق غيره من الأزهريين: 

فحضر في الفقه شرح : (الطائي على الكنز)

وحضر في النحو : (حاشية العطار على شرح الأزهرية).

ولكن من الخير ألا نتعجل الحوادث وأن نبقى مع صاحبنا في سنته الأولى.

كان إذا تفرغ من درس الضحى انتقل إلى درس الظهر، ثم يعود إلى غرفته فيقرأ مع صاحبه مطالعا دروس غد كما كان يفعل أصحاب الجد من الطلاب، أو متنقلا بين كتب مختلفة يفهم عنها أو لا يفهم.

10- عشاء الصديقين يختلف رقة وغلظا حسب ما بقى من نقود.

فإذا دعيت الشمس إلى غروبها أقبل الصديقان على عشائهما، وكان يختلف رقة وغلظا باختلاف ما بقى لهما من نقد.

فإذا كان قد بقى لهما نصف القرش؛ قسماه نصفين فاشتريا بنصفه شيئا من الحلوى الطحينية وبنصفه الآخر شيئا من الجبن وقطعة من الحلاوة، ويريان لهذا المزاج الغريب طعما لذيذا.

وإن كانت (البليلة) أو (التين) قد أسرفا عليهما في نقدهما فلم يبق لهما منه إلا ربع قرش؛ اشتريا بما تبقى لهما شيئا من الطحينة ثم صبا عليه شيئا من عسل أسود أو أبيض كان يأتيهما من الريف، ثم أقبلا على عشاء ليس بالفخم، ولكنه لا بأس به.

فإن جارت البليلة أو التين كلاهما على نقدهما فلم يبقا منه شيئا؛ فليس عليهما من بأس، لقد حفظا رغيفيهما وفي الغرفة هذه الصفيحة أو تلك، في هذه العسل الأسود،، وفي تلك العسل الأبيض، فليأخذ منهذا العسل شيئا وليغمسا فيه رغيفيهما فذلك يجزئ عما كانا يجدان في الحلاوة والجبن والطحينة من ترف.

وربما أباحا لأنفسهما على هذا البؤس شيئا من ترف فغمسا رغيفهما الأول وقد اقتسماه في العسل الأسود، ثم غمسا رغيفهما الثاني وقد اقتسماه أبضا في العسل الأبيض.

11- حضور درس المطنق بعد صلاة المغرب تقليدا للكبار.

أ‌- حضور شرح (متن السلم للأخضري).

وقد جعلت الشمس تسرع إلى غروبها، وكاد المؤذن يصعد إلى مئذنته، فليسرع الصديقان إذا إلى الأزهر فهما يحضران درسا بعد صلاة المغرب، كما يقعل أولئك الطلاب الكبار، هما يحضران درسا في المنطق يحضران (متن السلم للأخضري).

ب‌- شيخ المنطق والأزهر ومشايخه.

ومن الحق أ،هما كان يحضران هذا الدرس على شيخ كان يرى نفسه عالما وإن لم يعترف له الأزهر بالعالمية، طال عليه الوقت واشتد الحاجة في طلب الدرجة فلم يظفر بها، ولكنه لم ييئس منها ولم يرض يحكم الممتحنين فيه، فجعل يطاولهم من جهة، ويغيظهم من جهة أخرى:

يطاولهم بحضور الدرس، والتقدم للانتحان.

ويغيظهم بالجلوس إلى أحد الأعمدة إذا صُليت المغرب ومن حوله جماعة من الطلاب وهو يقرأ لهم كتابا في المنطق كما يقرأ العلماء الممتازون! فلم يكن يهجم على تعليم المنطق إلى هؤلاء العلماء الممتازون.

ت‌- ملامح شخصية شيخ المنطق وصفاته العلمية.

ومن الحق أن ذلك الطالب الشيخ :

لم يكن بارعا في العلم ولا ماهرا في التعليم.

وأن جهله وعجزه كانا يظهران حتى لهؤلاء التلاميذ المبتدئين.

ومن الحق أنه كان من أقصى الصعيد، وكان محتفظا بلهجته كما عرفها قبل أن يقبل على الأزهر، ولم يكن يغير منها شيئا في قراءته وحديثه.

ومن الحق آخر الأمر أنه كان سريع الغضب شديد الحدة ولكنه لم يكن يشتم التلاميذ ولا يشربهم، أو لم يكن يجرؤ على شتم التلاميذ وذربهم؛ فما ينبغي ذلك إلا للعالم حقا وصدقا، الذي نال الدرجة ، ونال معها الإذن الضمني بشتم التلاميذ أو ضربهم.

كل هذا كان حقا وكل هذا سمعه الصديقان من أولئك الطلاب الكبار، ولكنه لم يمنعهما من حضور الدرس والمواظبة عليه، ليقولا لأنفسهما إنهما يدرسان المنطق، وليقولا لأنفسهما إنهما يذهبان إلى الأزهر بعد صلاة المغرب ويعودان منه بعد صلاة العشاء، كما يفعل الطلاب الكبار المتقدمون.

12- الصبي يفكر في البقاء بالقاهرة عندما أقبلت الإجازة.

وماأسرع ما انقضت السنة الأولى! وما أسرع ما خُتمت دروس (الفقه والنحو) وما أسرع ما دُعى التلاميذ إلى التفرق ثم إلى الرحيل إلى حيث ينفقون الصيف بين أهلهم في المدن والقرى! وما أشد ما كان الصبي يتفوق إلى هذه الإجازة ويتحرق حنينا إلى الريف.

ولكن الإجازة قد أقبلت، وإذا هو يريد أن يمتنع عن الرحيل وأن يبقى في القاهرة، أكان صادقا في هذا التمتع؟ أم كان متكلفا له ؟ كان صادقا ومتكلفا معا.

كان صادقا؛ لأنه أحب القاهرة وكلف بها وشق عليه فراقها وقد كره الرحيل دائما.

كان متكلفا، فقد كان أخوه يقضي أكثر إجازته في القاهرة، وكانت السرة تكبر منه ذلك وتراه آية جد واجتهاد، وكان يريد أن يصنع صنع أخيه، وأن يظن به ماكان يظن أخيه، ولكن تمنعه لم يفن عنه شيئا.

13- الصبي يذهب مع أصحابه إلى قريته في الريف.

وها هو يركب مع صاحبه عربة من عربات النقل ومعهما ثيابهما قد لفت في حزمتين وقد بلغا المحطة وأخذت لها تذكرتان ثم دفعتا إليهما؛ ثم وضعا في عربة مزدحمة من عربات الدرجة الثالثة، ثم تحرك القطار ولم يكد يمضي قليلا ويبلغ محطة بعد القاهرة أو محطتين حتى نسي الصديقان أزهرهما وقاهرتهما وربعهما، ولم يذكرا إلا شيئا واحدا هو الريف، وما سيكون فيه من لذة ونعيم.

*  *  *

 لمتابعة مبادرة (اقرأ من جديد) اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى