الإنسان والطبيعة | علاقة لا يعرفها الآخرون

  الإنسان والطبيعة | علاقة لا يعرفها الآخرون

الإنسان والطبيعة | علاقة لا يعرفها الآخرون

يتحدث الكثير عن العلاقات منهم الإخصائيين الاجتماعيين وعلماء النفس وأخصائي العلاقات العامة، والمستشارين، ولكن لم نجد حتى الآن المستشار الطبيعي، الذي ينظم علاقتنا مع الطبيعة، بل وجدنا الضد، وهو ما يحفزنا على المزيد من الفساد في الطبيعة واستغلالها فقط، دون مراعاة أي احترام وتقدير للطبيعة، أو حتى إفادتها، والجهل لنتيجة ما يحدث للإنسان نتيجة هذه السلوكيات؛ لذلك خصصنا في سلسلة (الإنسان والطبيعة) بحثًا خاصًا في كشف علاقات الإنسان بالطبيعة وعلاقة الطبيعة بالإنسان

العضو المميز 

نسى الإنسان أنه مخلوق وهو عضو من أعضاء الطبيعة، نسى أنه يستطيع التواصل مع الطبيعة كلها، كما يستطيع التواصل مع أخيه الإنسان من مختلف اللغات، ففي الحقيقة أن الإنسان عضو مميز في الطبيعة ومن المفترض أن يكون على دراية بما حوله أو حتى بما يعيشه؛ لكي يحيا الحياة، ولكي يعرف قيمة وجوده في هذه الحياة وماذا يفعل – باعتباره عضوا – في كل هذا الوجود.

هناك تساؤل مهم جدا تقريبا كل من يعرف القراءة والكتابة يعرفونه، وهناك الكثير من يعرفون إجابته، ألا وهو لماذا تم خلق الإنسان من الأساس؟ وهو حقا تساؤل عقلاني تلقائي قالته الملائكة بالفعل عندما أخبرهم الله عزَّ وجلَّ بأنه قريبا سيكون هناك مخلوقًا جديدًا موجود بالأرض، فكان التساؤل عن سبب وجود هذا المخلوق، مع العلم أنه كانت الطبيعة كلها موجودة، ولكن شاء الله وأراد أن يُضاف مخلوقًا جديدًا.

كَثرت النظريات عن الإنسان، منها ما هو قريب للحقيقة ومنها ما هو مخالف تماما، وكل نظرية كانت إجابة عن تساؤل لماذا تم خلق الإنسان؟ فمنهم من قال ليُعمر الأرض، ومنهم من قال ليعمر نفسه، ومنهم من قال ليعبد الله عزَّ وجلَّ استنادًا لقول الله تعالى في سورة الذاريات ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ) فالكل حاول الاجتهاد، ولكن هناك إجابة غريبة جدًا تم التواصل إليها من قبل أصحاب وأنصار نظرية دارون، على أن الإنسان جاء نتيجة تطور كائن آخر، والإجابة هي أن الإنسان لم يُخلق من الأساس، أي ليس هناك هدف من وجوده، بل هو مجرد تطور لكائن آخر، وكأنه كائن عبثي، وهذا الكائن الآخر -أقصد الذي تحول قبل أن يتحول إنسانًا بشريًا-لا يعرفون أيضا هدف وجوده في الطبيعة، وبالتالي هذا مخالف للتفكير العقلاني تماما، وهذا المقام ليس مقام رد على النظرية، ولكن أطرح التساؤلات حول الإنسان، إذن فهناك هدف من وجود هذا الإنسان، تعال معي قارئي الحبيب نُفكر معًا حول الأجوبة الممكنة التي قد تكون صحيحة لسبب وهدف وجود الإنسان في هذه الطبيعة.

1- إذا كان الهدف من وجود الإنسان هو تعمير الأرض:-

– إذن، لماذا أمر الله تعالى الملائكة ببناء قواعد الكعبة التي رفعها فيما بعد نبي الله إبراهيم، أي لماذا لم يجعل الإنسان هو من يبنيها من الألف إلى الياء؟

– لماذا جعل اللهُ الجنَ أداء لبناء وتشييد أشياء عظيمة لنبي الله سليمان؟ حيث أخبرنا الله في القرآن الكريم عن هذا الحدث في سورة سبأ (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) )، إذن لاكتفى بالإنسان أو بقوم سليمان أو حتى عمال من دولة أخرى غير دولة سليمان؟

– لماذا لم يجعل اللهُ الإنسانَ يُنير هو أرضه نهارًا ؟ أي إذا كان الهدف من وجود الإنسان هو التعميرإذن لاختفت الشمس، وأنار الإنسان هو أرضه لأنه المسئول عنها وعن تعميرها.

– لماذا سمح اللهُ للإنسان أن يأكل ويشرب وينام، وقد يمنعه فترة طويلة من الأكل والشراب وهو ما يعرف في الدين بالصيام، فكيف تكون مهمة الإنسان تعمير الأرض، وفي نفس الوقت يمنع من تزويد جسده بالطاقة ؟

– لماذا سمح اللهُ للإنسان أن يموت من ذريته أبناء كانت أو آباء ؟ وهو تناقص عدد من الناس ولم يموتوا مرة واحدة حتى الآن، فمازالت هناك مواليد ووفيات مستمرة إلى يومنا هذا، فما الذي جعل ذاك يموت وذاك لم يمت حتى الآن؟ فهل الميت هذا قد عمل مهمته أم فشل، وهل موته علامة على ذلك؟ ولماذا لم ينقرض الإنسان حتى الآن ؟

– لماذا سمح الله تعالى للإنسان أن يصنع أسلحة ليحمي نفسه من أعدائه ومن أعداء الله، فكلنا نعود إلى ذرية آدم، فلماذا نحمي بعضنا من بعض؟

– لماذا سمح الله للإنسان أن تنتقل إليه الأمراض، وتتنوع من آن لآخر.

– وإذا كان تعمير الأرض شكلًت ماديًا حضاريًا مدنيًا، لماذا منح الله الإنسان سمعًا وبصرًا وفؤادًا، وتفكير عقلاني، لماذا جعل شعور الإنسان أقوى من شعور أي كائن على الأرض أو عضو آخر من أعضاء الطبيعة؟ 

– لماذا سوف يتم دك الأرض قريبا في نهاية الوقت المحدد لوجود الإنسان في الحياة الأولى أو في (النظام الأول)، وسوف يتم تبديل الأرض غير هذه الأرض، وسيكون كل شيء جديدًا (Updated) وسيكون الإنسان أيضا عضوًا من أعضاء الطبيعة (النظام الجديد).

– ثم لماذا لم تكن للطبيعة حياة واحدة فقط لا اثنين ؟ فالأرض صارت ملك الإنسان يعمل بها ما يشاء إذا كان الغرض من وجوده هو تعميرها.

– ولماذا لم يجعل اللهُ الإنسان هو من يصنع جنته الأخيرة التي سوف يحيا فيها الحياة الأخرى الأبدية إذا نجح في المهمة ؟ 

* كل هذه التساؤلات تنفي أن هدف الإنسان هو تعمير الأرض.

2- إذا كان هدف وجود الإنسان هو تعمير نفسه :-

– لماذا وضع نفسه في جسد يُقيد نفسه، أو قد يمنعها من أشياء كثيرة، فإذا كان تعمير النفس هو الهدف، فلماذا خلق لها جسد يتحكم بها بشكل ديكتاتوري؟ مثل وجود الأمراض الجسدية التي قد تؤثر على النفس، وأيضا شهوات الجسد التي قد تهيمن على النفس وعلى الإنسان.

– لماذا لم يجعل اللهُ نفسَ الإنسان شيئًا مرئيًا، فكلنا نرى أجسادنا وقد نرى أجهزة جسمنا عن طريق الأجهزة والأشعة، أو حتى تشريح جثة إنسان آخر، فلماذا لم نر أنفسنا مثل أجسادنا، لكي يسهل علينا تعميرها.

–  لماذا جعل الله عقاب من ينسى اللَه، يُنسيه اللهُ نفسه، فلماذا ننسى هذا الكائن الجميل، إذا كان حقا هدفنا هو تعمير النفس.

3- إذا كان هدف وجود الإنسان هو تقديس الله وطاعته :-

– وهذا التساؤل هو أول استفهام دار بين الملائكة في سورة البقرة (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30))، فالله عزَّ وجل خلق الملائكة تسبح وتقدس له، فلماذا خلق إذن هذا المخلوق الجديد، وكذلك خلق الله السماوات والأرض وقال لها في سورة فصلت (ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11))، فالسماء والأرض جائتا إلى الله طائعتين، وليس مكروهتين أي مجبورتين، فلماذا قال اللهُ عزَّ وجل هذا للسماء والأرض، ولماذا خلقهم وأيضا لماذا يُخيرهم بعد أن خلقهم مباشرة؟ إذن فلماذا بعد أن أصبحت الملائكة تسبح لله وتقدس له والسماوات والأرض تُطيعان اللهَ في كل أمر، فلماذا الكون يحتاج إلى مخلوق جديد؟

4- إذا كان هدف وجود الإنسان هو عصيانه لربه:-

– لماذا بمجرد وجود الإنسان ظهر مخلوق -في أول عصيان له يحرزه- وهو إبليس الذي تحول للشيطان، وهذا المخلوق الذي كان ومازال حاقدًا على الإنسان، فلماذا هناك مخلوق آخر عصى ربه حتى لعنه الله تعالى، وهل يليق برب الكون أن يخلق مخلوقًا جديدًا كي يعصيه ويعذبه، فالله مسيطر على الكون كله سواء كان الإنسان موجودًا أم غير موجود.

5- إذا كان هدف وجود الإنسان هو العلم والتعليم:-

– إذن فلماذا علَّم الله الإنسان (آدم) كل شيء قبل أن يحمل المهمة أو الحياة، وبعد ذلك أتاح له السكن مع زوجته، إذن لخلقه ثم تركه يعلم نفسه بنفسه أو يتعلم من الطبيعة، ولكن في الحقيقة مع مرور الوقت صار الإنسان أكثر الجاهلين بالحياة، ويزعم أنه أحدثَ طفرة في الأرض، بالرغم من أنه جهلَ حتى التواصل مع الطبيعة وفهمها، بل زاد الأمر سوءًا وهو أن الإنسان في هذا العصر لم تتوحد لغته فكل بقعة على الأرض أو كل دولة لها لغة خاصة بها، وصار من الصعب سكان قارة آسيا أن تتواصل بسهولة مع قارة أفريقيا مثلا، فأي علم هذا أو تقدم، مع أنهم يزعمون أن العالم أصبح صغيرًا جدا مثل القرية، ولكن في الحقيقة ازداد الأمر بُعدًا وهو أن الإنسان لا يستطيع حتى أن يُخرج كل ما في ذهنه إما بالكلام أو بالكتابة أو أي طرق للتعبير عما يدور ما بداخله، فكيف سيفهمه من يسكن بلدًا مختلف لغته عن الأخرى، وصار تعليم اللغات أمرًا شبه إجباري على الإنسان، وهل هذا تقدم؟!

وقبل أن نُكشف عن هدف وجودك أيها الإنسان دعني أفكر معك قليلًا..

الإنسان والطبيعة | علاقة لا يعرفها الآخرون

هل الطبيعة بحاجة إلى إنسان ؟

فكر معي قليلا لو أن الطبيعة كلها خالية من الإنسان، كيف ستكون الطبيعة ؟ كيف سيكون حال الأرض، كيف سيكون حال الشيطان وهو ملعون ومطرود من رحمة رب العالمين، كيف سيتحرك الهواء، كيف تعمل السماء؟ وما هي أعمال الملائكة ؟ وكيف كان حال الطبيعة قبل وجود الإنسان من الأساس ؟ فكل هذه الأسئلة وأكثر لو تخيلت الكون كله بدون الإنسان لجعلت الكون صامتًا جامدًا لا حياة فيه، هل جربت أن تزور مثلا بيتك القديم الذي لم تطأه قدمٌ منذ سنوات كيف كان حال المنزل من قبل والآن كيف حاله ؟ هل فهمت معي الآن ماذا أضاف الإنسان للطبيعة، فالطبيعة كلها بحاجة إلى الإنسان، وللأسف الإنسان لم يتأكد من ذلك، وكذلك الإنسان بحاجة إلى الطبيعة كلها، وهذا ما تنادي به المؤسسات، بالرغم من أنهم يزرعون في عقول البشرية أن الإنسان ليس بحاجة إلى الأرض، فإذا وجد حياة على كوكب آخر لطار وهاجر ذلك الكوكب الكئيب الذي ملئه الفساد برا وبحرا، وفي الحقيقة أنه لا يوجد شيء اسمه كوكب الأرض، ولو يوجد حياة أخرى خارج الأرض، ولكن بهذه الطريقة تجعل الإنسان يستهلك الطبيعة فقط، وهذه لغة غريبة يستخدمها الإنسان مع الطبيعة، فالأمر أشبه باثنين يتحدثان، فالشخص الأول يتحدث مرارا وتكرارا ويثرثر ولا يسكت برهةً ولا حتى يعطي فرصة للشخص الآخر، فماذا سيكون حال الشخص الذي لم يتكلم إلا ثواني مع هذا الشخص الذي يتكلم ويثرثر سنوات كثيرة، هذا بالضبط ما يحدث بين الإنسان والطبيعة، فالحكمة تقول أن الشخصين لابد أن يعطيا كل واحد منهما فرصة للتحدث ووقت متساو للاثنين معا، وهذا لابد أن يستمع الإنسان للطبيعة ولا يتحدث فقط، وهذا ما يحدث في البراكين أو التغيرات المناخية كما يسمونها أو الزلازل أو حتى انتشار الفيروسات، فكل هذا يعتبر هو لغة الطبيعة وتريد أن تتحدث معك أيها الإنسان لأنك لم تستمع لها منذ فترة طويلة، وهذا هو الفساد، فلا تتعجب عندما تصرخ في وجهك.    

إن الإنسان عضو من أعضاء الطبيعية، فهو حي من الأحياء التي نعرفها والتي لا نعرفها، فالكون أصبح مكتملا بوجود الإنسان، ولكن في الحقيقة معظمنا يغفل الطبيعة ويعتقد نفسه الديكتاور الأول، بل كل ما تراه في الطبيعة من انحراف هو سوء أدب الإنسان مع الله، وفي معظم الأوقات يكون الإنسان معتبرًا نفسه هو الإله لهذا الكون، فبدأ يتفاعل بمنطق أنه ليس هناك رقيبًا عليه أو حتى هناك متحكمًا على الطبيعة وعليه هو شخصيا.

يُرَوَجُ كثيرا بين المجتمع أن الإنسان يستطيع أن يخرج من الأرض، بل ويذهب في نزهة في الفضاء ويقيم في إحدى الكواكب، وتتوالى الأخبار عن المجرات وزاد الأمر سوءًا بأن أصبح 98% من سكان الأرض يعتقدون بالفعل أن الأرض كوكبًا، ولكن في الحقيقية الأرض ليست كوكبًا، ولا يوجد أي شخص استطاع أن يخرج من الطبيعة، ففي الحقيقة أصحاب نظرية هذه الحملات زرعوا في الإنسان فكرة أنه يستطيع أن يتحكم في الأرض، ويخرج منها، وهو لا يدري أنه كما خُلق ووُجِدَ فيها سيموت فيها أيضا، وفي الحقيقة أنه إذا حدث فقط زلزال بسيط يجعل البشرية تفزع من الرعب، والحقيقة أنه لا يوجد شخص واحد على هذه الأرض يستطيع أن يمنع هذا الزلزال أو البركان مثلا، فالكل يعلم بركان لابلاما الشهير الذي ما زال ثائرًا إلى هذا اليوم، هل من بشريّ مهما أُوتِي من علم ومهما أُوتِي من تكنولوجيا أن يُخمد هذا البركان ؟

إن الحقيقة تقول أن الإنسان عضو من أعضاء الطبيعة، وله صلاحيات معينة تميزه عن أي عضو، لكن في الجانب المقابل أن الإنسان له حدود لا يخرج منها، ولا يجوز الاقتراب منها، مثلا الإنسان لا يستطيع في هذه الدنيا رؤية الله الواحد الأحد، فإذا اقترب الإنسان من هذا الحد يعتبر سوء أدب مع الله، وفي الحقيقة قد تتساءل قارئي الحبيب كيف يقترب الإنسان من هذا الحد ؟ الإجابة أرأيت الصواريخ التي تنطلق في السماء شهريا، وهي مشهورة بـ(قذف السماء)، من يُطلق صاروخًا بدون هدف مُعلن، اعلموا أنه يريد تحدي رب السماء، ولكن ليس هذا مقامنا ولكنني ذكرت هذا المثال لكي تعرف معي كيف يتم تغيير علاقة الإنسان بالطبيعة.

نعلم جميعا أن للبيئة أو للطبيعة توازن وأصبح الآن التوازن البيئي غير مستقر، ونعلم أيضا أن السلوك البشري هو عامل أساسي لحدوث هذا الخلل، الآن ألم تقتنع – قارئي العزيز- بأن الإنسان تغيرت علاقته مع الطبيعة بمرور الوقت، صار الإنسان كل غرضه الاستهلاك فقط، رغم أن المأكل والمشرب ليس هدف وجود الإنسان في الطبيعة، ولا حتى العلاقات الجنسية هي هدف للإنسان، بل الإنسان يحيا هذه الحياة بين الطبيعة لأغراض وأهداف أخرى 98% من الناس يجهلون ذلك ولا يعرفون حتى أنفسهم ولا حتى كيف يتعامل مع الطبيعة التي حوله، ولا يتعامل مع الجنس الآخر الذي هو عضو آخر معه في الطبيعة.

الطبيعة والعلوم

الإنسان والطبيعة | علاقة لا يعرفها الآخرون (الطبيعة والعلوم)
ذكرنا من قبل أن الإنسان تعلم كل شيء قبل أن يسكن ويستلم المهمة، ولكن بمرور الوقت تم الانحراف عن هذا العلم، وصار الإنسان مثل الذي فقد كنزًا عظيمًا في حياته، بل تناثر هذا الكنز في الطبيعة كلها، فصار تائهًا يبحث من جديد، ويلم كل معلومة هنا وهناك، ويجمع الفتُتات العلمية وكل ذرة معلومة، فلا يفرح بأنه وجد معلومة جديدة، بل هو الآن يُعوض ما فقده من قبل، ( وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) ) وهو بمثابة شخص ترك حبيبته فترة طويلة، أو الذي فقد ذاكرته أو أُصيب بالزهايمر، وهو يعود مرة أخرى ليتذكر من جديد ويكتشف قيمتها، فلا يفرح أبدا، لأنه يُعوض ما فقده، أي يعود لنقطة الصفر، فبالرغم من الطفرة التي حدثت في عصرنا الحالي، إلا أن الإنسان بإمكانه أن يتطور أكثر من ذلك، لكن بالتواصل الحقيقي مع الطبيعة، وأيضا لا يحزن على ما فقده، لأنه – ببساطة – ورث ذلك عما سبقه، وليس له ذنب، فكل إنسان يُولد هو إنسان يبدأ من الصفر، (لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23))،  فكل إنسان هو مخلوق جديد في الطبيعة، مهما كان وضعها، ولن يستطيع أن يكتشف هدفه من وجوده إلا إذا تعامل بالشكل السليم مبدأيًا مع الطبيعة، أي لن يجد قيمته الحقيقية إلا إذا تعامل مع الطبيعة وتواصل معها بالعلاقة الصحيحة، فلابد أولا أن يجد العلاقة بينه وبين الطبيعة.
أما عن مجال العلوم، فكل معلومة يجدها الإنسان هي نتيجة نوع اللغة التي تواصل بها مع الطبيعة، فمجموعة من الناس ترى أن الطبيعة هي البيئة من (بحار وجبال وأرض وسماء) ومنهم من يراها (هو دراسة كل شئ متحرك أو سكان، وهو ما يعرف بالفيزياء، ومنهم من يراها هي التفكير والتأمل، فصنعوا علاقة أخرى وهي ما يسمونها Meta life أو ميتافيزيقيا، مثل الفيلسوف أفلاطون وسقراط، وبإذن الله قريبا سنفصل الحديث عن ذلك، المهم في مقامنا هو أن أي علم جديد أو بالأحرى أي معلومة ظهرت وتم التأكد منها، هو نتيجة تواصل الإنسان مع الطبيعة، فكل هذه العلوم جاءت نتيجة التواصل وهو باللغة الدقيقة وهو التفكر والتأمل الذي أشرنا إليه في مقالة الشتاء، فالتأمل والتفكر هو وسيلة تواصل، والله عزَّ وجلَّ ذكَّرنا بذلك، ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ(190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) ) (آل عمران)، 

الطبيعة أم الصناعة

كل الحضارات تتحدث عن الزراعة ثم الصناعة ثم التجارة، وأنا أقول هذه كلها ليست وسائل بناء حضارة، ولكن أي تطور يحدث سواء انتقال من طور إلى طور، مثل تحويل دولة كاملة من زراعية إلى صناعية، ثم تجارية، هو نتيجة تواصل الإنسان مع الطبيعة أو إنه اكتشف معلومة جديدة فطبقها سواء أكانت تضر الطبيعة أو تنفعه، فالصناعة انتشرت بشكل كبير جدًا، ولها فضل كبير في حتى أنها جعلتنا أنا وأنت نتواصل وتقرأ مقالاتي من مكان نومك أو سكونك، فلستَ بحاجة إلى الذهاب إليَ لكي تتعلم على يدي، وهذا شيء جميل جدًا، ولكن الصناعة أهملت الطبيعة بشكل كبير جدًا، جعلت التكنولوجيا ترى الصناعة هدفها فقط، ولا يهم أن أهملنا – في طريقنا- الطبيعة أو البيئة كما يسمونها، ولكن الطبيعة ستتحدث شئنا أم أبينا، ففي الزراعة لم نجد اعتداء كبير على الطبيعة بل كان الفلاح صديقا للطبيعة، بكل ما يحيط به من أرض ورمال ومياه وبذور وفواكة وحيوانات، حتى في تجارة منتجاته الزراعية، ولكن عند تطور الصناعة صار الفلاح منبوذًا بل صارت الطبيعة مجرد قطعة أرض يتم احتلالها ونهب خيراتها بدون أي تفكير، وكأن الطبيعة أنثى وجاء الإنسان واغتصبها، وصار الكون كله ذكوريا بفضل سوء الأدب مع الطبيعة التي هو جزء منها، وهذا بالمناسبة ما يحدث في العلاقات بين الرجل والمرأة في العلاقات الزوجية، أصبحنا نسمع عن أمراض كثيرة ومشاكل يستحي الإنسان أن يتكلم عنها، وهو ببساطة صار الرجل يريد أن يتخلص من حيوانته المنوية فقط ولا يهمه حال زوجته وكأن العلاقة صارت من أجل الرجل (الذكوري) فقط، وصارت المرأة في المجتمعات مثل الفاكهة التي تُؤكل ثم ترمى بقاياها في القمامة، ويجهل الرجل ماذا تحتاج المرأة منه حقيقةً، وهذا بالضبط ما يحدث بين الإنسان وعلاقته بالطبيعة.

فكما سمعنا عن سرعة القذف عن الرجل، قريبا سنسمع عن الكسل التام في البشرية، بل سيصبح التفكير أصعب عمليات الإنسانية، لأنه ببساطة يريد أن يترفه فقط يأكل هذا ويشرب ذاك وينام هنا وهناك، فقط، يسهر وقت ما يحتاج وينام وقت ما يحتاج، ولكن الطبيعة تختلف عنه تماما، بل هو ما اختلف عنها، فالشمس لها وقت ولا تستطيع أن تقلل من التزامها في دورها في الطبيعة، وكل القوانين تسير وفقا لقانون رباني وُضع للطبيعة، وأيضا الإنسان نسى هذا كله.

الإنسان والطبيعة

كلنا نحب الطبيعة وشكلها الجميل صيفا وشتاءً، ومعظم البشرية حينما يجدوا منظرًا جميلا، لا يتفاعل معه بل يُخرج جهازه ويصوره ويخزنه في جيبيه، فقط، وكأن الطبيعة أنثى جميلة تقول لك (أحبك يا إنسان) وأنت لا تراها حتى ولا ترد عليها بل تنظر إليها وتلتتقط صورة وتتركها، فهل هذا الأنثى ستقول لك (أحبك) مرة ثانية، أظن أنك فهمت وجهة نظري الآن، الطبيعة أكثر شيء أهملناه في هذا العصر، وأنا لا أقول لك مشكلة التلوث فقط، بل أقول لك أخي الإنسان أنت أصبحت منفيًا عن الطبيعة بإرادتك، وصرت مدمنا أشياء لا تحبها ولا تريدها ولكن بالتكرار صرت تهمتم بها وتلوح وجهك عن الفتاة الجميلة التي تسمى الطبيعة التي تقول لك (أني أحبك يا إنسان)، (إني أحبك يا عبد الله)، وأنت لا تكترث بها وتتركها سنوات وسنوات، وتقترب منها فقط عندما تكون جائعًا أو شهوانيًا، مثل الذي يرغب في زوجته فقط لأنه يريدها، ولا يعلم ماذا تحتاج هي.

والآن بعد كل هذا أظنك تسأل سؤالا عميقًأ وهو ما علاقة (الطبيعة) في اكتشاف قيمتي كإنسان أو هدف وجودي في الطبيعة، أجيبك -قارئي العزيز- هو أنك إذا فهمت الطبيعة تقدرك كيف؟ أو مدى حديثها معك أو كيف الطبيعة تتعامل معك وكيف تُعطيك ما تحتاجه، دون أن تهملها، ستبدأ بالتدريج اكتشاف قيمتك كمخلوق جديد، وأنا هنا لا أقول لك ركز فقط مع الطبيعة، بل أنبهك أنك أهملتها كثيرا، وهناك علاقة جميلة لا يعرفها الكثيرون، بل لا يعرفها الآخرون، وفي هذه العلاقة لابد أن تعلم أن لهذه الطبيعة رب كما لك نفس الرب، فكن على علم أن هذه العلاقة تتم برعاية رب العالمين خالق كل هذا الكون.

انطلق الآن 

أخي القارئ العزيز اجعلني أحفزك على الرجوع والتعامل مع الطبيعة بالشكل السليم لك ولها، ولا تشك في أن الطبيعة تحبك، لأنك لو كنت ضيفًا رخمًا، ما جعلتك حيًا إلا الآن، إذن لكنت انقرضت من زمن طويل، ولا تخف من انتشار الفيروسات، فرجوعك للطبيعة سيجعلك تسمع صوتها الحقيقي، ترى ألوانها الحقيقية، تتحدث وتشعر بها وتحس بالإحساس الحقيقي، وتفهم أشياء لا يفهما الآخرون، فحب الطبيعة واستمع لها قبل أن تفترقا أنتما الاثنان، إذا لم تكن هذه الطبيعة مناسبة لك لم يضعك الذي خلقك فيها، بل لجعلك في مكان آخر مناسب لك، ولا تصدق أكاذيب المريخ والحياة الأخرى على كوكب آخر، فالكون كله تحت السيطرة، وأنت عضو في هذا الكون، فلا تغتر بوجودك ولا تقلل من وجودك أيضًا، تعامل أولا مع الطبيعة واستمع إليها وحاول أن تطبق القوانين التي وضعت لك وستجدها في كتاب الله تعالى، وساعتها ستجد هدفك من وجودك أيها الإنسان.

قبل أن أتركك في رعاية الله فكر معي في هذه الآية من سورة الأحزاب: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)

– وسؤال هذه المقالة (لماذا رفضت السماوات والأرض والجبال حمل الأمانة ؟ وأيضا ما الأمانة هذه ؟ ولماذا حملها الإنسان ؟

– اترك جوابا في خانة التعليقات حول هذه الأسئلة، لعلها تكون الصواب، وانتظرنا في الأسبوع القادم.

للاشتراك في الموقع اضغط هنا

الخلاصة

هناك علاقة ذهبية ومجانية في نفس الوقت، علاقة لا يعرفها الكثيرون ، وهي علاقتك بالطبيعة، سارع بالرجوع إليها والاستماع إليها وفهمها، قبل أن تُجبرك أن تسمعها رغم أنفك، ولا تخف الطبيعة هي جند من جنود الله، فإذا استمعت لها ستفهم ماذا يريد الله منك، وستعرف أيضا الهدف من وجودك، وقيمتك الحقيقية، ولا تركز على من يزرع بداخلك طاغية يموت من يموته ويحي من يحيه، يقتل حشرة هنا وهناك، ويقطف زهورًا، ويقطف تلك الثمرة ويلقيها ولا حتى يستمتع بها، كن مثل صديق للطبيعة، بل أن حبيب للطبيعة، والطبيعة تنتظرك، هيًا واسمه كلمة (أحبك يا عبد الله) منها الآن.

ويستحسن قراءتها مرة أخرى حتى تلم بفوائدها كلها

* * *

إذا كان لديك أخي الحبيب / أختي الحبيبة أي تساؤل أو استفسار حول هذا الموضوع اترك تعليقًا وسأرد عليك قريبًا بإذنٍ من الله، أو يمكنك التواصل معي عبر تطبيق (الواتس اب) الذي سيظهر لك أسفل يمين الشاشة، وأشكركم من كل قلبي على قراءتكم وتواصلكم الجميل الذي يدل على كرم نفوسكم الكريمة .. كحلاوي حسن

أقترح إليك هذه المقالات الشتوية كما أسميها:

1- أسرار لا تعرفها عن نفسك

2- التحليل العلمي للصبر والصابرين

3- كيف تتحرر ؟ (الهجرة الحقيقية)

4- التحليل العلمي للكهرباء 

5- التحليل العلمي للأغاني والموسيقى

6- كيف تعيش في الشتاء

************************

* إليك أحدث قائمة لدينا من سلسلة التحليل العلمي :

1-التحليل العلمي للكسل والكُسالى .

2- التحليل العلمي للصبر والصابرين .

3- أهم بداية في حياتك (إذا كنت تريد التغيير)

* يمكنك قراءة هذه المقالات الحصرية :

1- كيف تتحرر وتنطلق في حياتك؟

2- كيف تتعامل مع أفكارك ؟

3- أسرار لا تعرفها عن نفسك .

*   *  *

لمتابعة مبادرة (اقرأ من جديد) اضغط هنا 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى