الإنسان والطبيعة | لغة التراب وأسراره

 الإنسان والطبيعة | لغة التراب وأسراره

الإنسان والطبيعة | لغة التراب وأسراره


أهلا بك قارئي العزيز في رحلتنا مع (الإنسان والطبيعة) تحدثنا في المقالة السابقة عن المطر وأسراره، والآن وصلنا إلى محطة (التراب وأسراره)، فالكل يعرف التراب، ويعلم أنه لا فائدة منه سوى الزراعة فقط، والتراب بالنسبة للعلماء من الكائنات غير الحية، وتهتم الأمم المتحدة بالتربة والتارب حيث جعلت يوم (5 ديسمبر/ كانون الأول) من كل عام هو اليوم العالمي للتربة وقررنا نحن  – في هذه المقالة – كشف أسرار التراب الذهبية، فتعالوا معنا نبدأ

هل سألت نفسك سؤالا لماذا التراب من الكائنات المنتشرة على الأرض؟ حيث يعتبر اليابس كله تراب، فهو الكائن رقم 3 في الانتشار بعد الهواء والماء، وهو أيضا من الكائنات الأساسية، وكذلك لا غنى عنه، وهو من الكائنات الساكنة ولا يتحرك بمفرده ذاتيا، بل يحتاج لرياح مثلا لكي ينتقل، وهل سألت نفسك: لماذا الكائنات التي تموت تتحلل وتتحول إلى أتربة بالأخص، وكذلك الزراعة لا تتم إلا في وجود التراب أيضا، وأسئلة كثيرة تتمحور حول علاقة الإنسان بالتربة، وعلاقة التربة بالموت وبالحياة.

طبيعة التراب

الكل يعلم أن كل الكائنات الميتة تتحلل إلى أتربة، ولكن قبل موت هذه الكائنات، أين كان التراب؟ وهل كان موجود بالفعل على الأرض قبل أن يموت أي كائن، الإجابة بالطبع نعم، ولماذا تم خلق الإنسان من هذا التراب، فلماذا لم يخلقه من ماء المطر مثلا، أو الهواء، أو حتى النار مثل الجن، أو من النور، أو من الظلام، فالتراب لغز كبير، وكائن غامض بالفعل، فأول معلومة نعلمها عن التراب، هو أنه يسكن الأرض فقط، فلا يوجد في السماء مثلا أي نوع من التراب، فالتراب كائن أرضي فقط، ولا يوجد ما يزعمونه -علماء الفضاء- أن هناك أتربة على كواكب، فالكواكب هي مجرد زينة في السماء مثل المصابيح التي تُعلق في الغرف والقاعات، إذن فالتراب كائن أرضي، ومعنى أنه كائن أرضي أي أنه لا يوجد في مكان آخر، وهو أيضا كائن مادي ملموس نراه ونلمسه، ولذلك تم صناعة جسد الكائن الذي يسمى إنسانًا من التراب، فصار جسده ماديًا أي ملموسًا، وللعلم أن الإنسان لم يتكون تلقائيا بتجمع ذرات التراب مثلا، بل من تجمع الماء على التراب فصار طينًا، ثم خلق الله وشكَّل جسد وجسم هذا الكائن الجديد ثم تحول هذا الطين إلى صلصال مثل الفخار الذي يصنع منه الأواني الفخارية، المهم في كل هذا أن التراب هو بداية خلق الإنسان، وهذا ليس بشئ عبثي، فنحن نعلم أن التراب به كنوز، بل هو كنز الكنوز، فالتراب بالفعل الكنز الحقيقي في الأرض، والدليل على ذلك أن الإنسان خرج من هذا التراب، وسأضرب لك مثالا كي يتضح الأمر أكثر..

الإنسان والطبيعة | لغة التراب وأسراره
يقول الله تعالي في سورة نوح | ( وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا 17 ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا 18) وهذا ملخص عمل التربة، والتراب، فالله قالها صراحة أننا خلقنا من الأرض وبالتراب أخص، ثم سنتحول إلى تراب ثم نخرج من هذا التراب مرة أخرى، وكأنه يسرد لنا طبيعة عمل التراب، فالتراب هو بداية أي بداية ونهاية أي نهاية، فأول معلومة نعلمها عن طبيعة التراب، أنه كأن أرضي 100% ، فنحن نعلم أن الحديد يوجد في الأرض لكنه ليس كائنًا أرضيا بل أنزله الله على الأرض انظر سورة الحديد | (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ …. (25) )، أما التراب هو مخلوق في الأرض وموجود على الأرض، أما الماء – كما سنوضح في المقالات القادمة – هي مخلوق سماوي وأرضي في نفس الوقت، أي موجود بالأرض والسماء في نفس الوقت، لكن التراب موجود في الأرض فقط وغير موجود في السماء، وكما أننا لا نستطيع أن نخرج من الأرض فلا غنى لنا عن التراب، ولا مهرب منه في نفس الوقت، وهذه معلومات خطيرة بالفعل، وأزعم أنك لأول مرة تسمع عنه، فنحن لن نستطيع أن نستغي عن التراب بكل أنواعه أو نجد بديلا للزراعة، أو بديلا عن التراب، فالتراب هو بمثابة مكان به منجم للخيرات والكنوز، ليس فقط للزراعة، بل للإنسان أيضا، فكما أن العلم الحديث استطاع أن يجد المكونات الفيزيائية للتراب، بأنه يوجد به أملاح وفيتامينات وبكتريات وغيره من العناصر الكيميائية والعضوية أيضا، وبه سر غريب جدًا هو كيف أن كل هذه الكائنات التي كانت حية من سنين صارت الآن تراب، وكيف أن الفاكهة التي تأكلها أو القهوة التي تشربها هي مصنوعة من التراب، لو تفكرت في ذلك لعلمت أن الطييعة كلها تتفاعل معك أيها الإنسان وأنت لاتدري، وهذا ما نريد أن نبادر به وندعو له في هذه السلسلة  (الإنسان & الطبيعة) .

فهل للتراب أسرار أخرى غير العناصر التي اكتشفها علماء الأرض (الجيولوجيا والبيولوجيا) أو حتى علماء الأثار، حتى أستطيع أن أزعم أن من اكتشف التحنيط هو من استطاع فهم التراب فهما صحيحا وجرَّب ودرس حتى توصل إلى هذا المصريون القدماء، فمازلت أسأل وأتساءل هل للتراب أسرار أخرى..

الإنسان والطبيعة | لغة التراب وأسراره

نعلم جميعا أن النباتات تكون في أكثر نشاط لها عندما يكون تحتها تربة مبتلة (طين) أي بها ماء وفوقها ضوء الشمس وتبدأ في عملية البناء الضوئي، ولكن في الحقيقة النبات لا ينمو إلا في الليل، فهناك سر كبير في الليل وتفاعل التراب في الليل مع اللون الأسود، فاللون الأسود هو لون الغموض والغنى والوفرة في نفس الوقت، فمثلا لا ينمو نبات الخيار الأخضر إلا في وجود الليل، فهناك عناصر تربية لا تتفاعل مع النبات إلا في الليل، وهو أحب ما أسميه (العملية التُرْبِية)، فإذا استطعت أن تزور مزرعة للخيار أو للبطيخ أو الكنتالوب أو ما شبه ذلك وهذا ما يكون في الصيف بوفرة، فإذا مشيت في هذه المزرعة أو الحديقة ليلا لسمعت صوت نبات الخيار وهو مثل (الزَّن) لبعض الحشرات، وهو بكل بساطة نمو ثمرة الخيار هذه، أما في النهار لن تسمع هذا صوت لتلك الثمرة بل كانت في اليوم السابق صغيرة وإذا ترقبتها لثلاثة أيام لفوجئت من التغيير ففي هذه الثلاثة أيام قم بتصوير نبات الخيار قبل المغرب وحاول أن تقيس بالمسطرة طول هذه الثمرة، وفي اليوم التالي كذلك والثالث أيضا، وستجد أن النبات لا ينمو إلا في الليل، إذن فلماذا الليل بالذات؟ الموضوع بسيط جدا فكما أن علماء الطب والأحياء يقرُّون بأن الإنسان لن تنمو خلاياه أو جسمه إلا في الليل وفي النوم، بل بشجعون أن نجعل أطفالنا تنام بفترة كافية حتى تنمو خلايا وأنسجة جسمهم وبالأخص المخ وخلاياه، ويعتبرون أفضل نوم هو أول فترة نوم للطفل بعد ولادته، حيث تكون بالفعل فترة طويلة جدا تصل إلى عشرين ساعة في بعض الحالات، كل هذا معناه واحد، هو أن النوم والليل والتراب لهما نفس المفعول، أو تتشابه العمليات الحيوية بها والتأثيرات.

لذلك لا غنى عن التراب بالنسبة للنباتات وكذلك لن نجد أي ثمار بل لن نجد أي غذاء لنا إلا بوجود التراب، أولا، فهو بداية البداية، وكذلك إذا أكلنا الثمرة ولا نريد باقية النبات، فمثلا أكلنا كل ثمار الموز وشجرة الموز ستموت ونحن لا نريد مخلفات هذه الشجرة بل نريد الفاكهة والثمرة فقط، فكيف نتخلص من الشجرة الميتة، ببساطة التراب هو الحل أيضًا، فكما أن التراب هو البداية، هو أيضا النهاية، وهو أيضا حامل للكنوز، بل هو الكنز الحقيقي للحياة.

صفات التراب 

إن ذِكْرَ التراب في القرآن ليس بشئ هين وكذلك اختيار الله للتراب أن جعله بداية خلق الإنسان وكأنه المادة الأصلية المخلوق منها الإنسان هو الترب، فهي حقًا آية من آيات الله، انظر إلى ذكر التراب في القرآن الكريم


1- انظر في سورة البقرة |  (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) )

2- انظر سورة آل عمران | ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59) )

3- انظر سورة النحل | ( يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59))

4- انظر سورة الكهف | (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) )

5- انظر سورة الحج | (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5))

6- انظر في سورة الروم | (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ (20) )

7- انظر سورة فاطر | ( وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا ۚ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11) )

8- انظر سورة غافر | (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67))

9- انظر سورة الرعد| ( ۞ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5) )

10- انظر سورة المؤمنون |  (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ (35))

11- انظر سورة المؤمنون | ( قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) )

12- انظر سورة النمل  | ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67))

13- انظر سورة الصافات| (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) )

14- انظرسورة ق | ( أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) )

15- انظر سورة الواقعة | (وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) )

16- انظرسورة النبأ | (إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا (40))

فكل هذه الآيات التي تعدت الـ 15 مرة ليس بأمر هين أو عبثي، بل الإنسان يجهل قيمة التراب ويتعجب كيف إذا مات الإنسان وصار عظامًا وترابا كيف يخرج حيًّا مرة أخرى، فالتراب لغز كبير سيرهق من يبحث عنه أو فيه، ولكن هناك آيات جلية واضحة عن التراب ومذكورة في كتاب الله تبين لنا أن التراب له قيمة خاصة مثله مثل الماء والرياح.

إن التراب وحده له عمليات معينة، وله عمليات أخرى باشتراكه مع كائنات أخرى، فمثلا التراب وحده وهو جاف يكون (النهاية) بمعنى أنه يكون غير جاهز للحياة، بل هو بيت لبعض الكائنات الأرضية التي لا تستفيد من الحياة وهي كائنات صغيرة العمر الافتراضي، فتموت بمجرد وصول الماء إلى هذه التربة، فالتراب وحده هو بمثابة الشخص الفقير، لكن بوجود كائن أخر اسمه الماء، يبدأ التراب بعملية (البداية) وهو بداية الحياة، حيث يكون التراب آنذاك مستعدًا للحياة، إما للنبات أو لحمل كائنات أخرى تعيش فيه، مثل الفيتامينات والأملاح المعدنية، والعناصر الكيميائية مثل النتيروجين والفوسفات والرصاص والزنك وغيره، أما التراب الجاف هو ما يسميه العلماء بالتراب غير الخصب أو الأرض غير الخصبة، فالتراب كله واحد، لكن في الحقيقة مدة تفاعله مع الماء هي من تحدد نوعية خصوبته، أو بالأحرى استعداده للحياة، وليس فقط الماء يكفي له، بل يحتاج للهواء كله، حتى تخرج عمليات أخرى، وكذلك الشمس بحرارتها وضوئها، فالتراب وحده لا يكفي للحياة، بل يحتاج إلى السماء.

وبالرغم من أن التراب هو كنز عظيم، إلا أن وجوده في المكان الخاطئ يجعله يعمل عكس معناه، فكما أن التراب هو أٍساس الحياة، وبدايتها إلا أنه يتكون نتيجة تحلل الكائنات الميتة، فوجود التراب في المكان غير المخصص له – مثل وجوده على المكتب مثلا أو على الأجهزة التي تستخدمها أو على كتبك أو حتى على سيارتك- فهذا قد يعطي نتائج عكسية وهي الفقر والأمراض والموت أي التلف للكائنات المصنوعة مثلا.

فوجود التراب في الأماكن التي يتحرك فيها الإنسان أو حتى الأماكن التي يسكن فيها، فهذا دليل على فقره وليس الموضوع مجرد نظافة، فالتراب ساكن يُحرك من يُحركه ويوقف من يوقفه، فتواجد التراب في المكان الصحيح يعطي لنا عمله الأوليّ والأساسي (البداية)، أما تواجده في المكان الخاطئ يعطي لنا نتجية مخالفة وكأن التراب عملة له وجهان، الوجه الأول: الحياة، والغنى والوفرة والثانية: هي الفقر والكسل والحزن أيضا، فهناك من يرى التراب ويشعر بالتفاؤل وهناك من يراه ويشعر بالحزن الأمر مشابه تماما عند رؤيتك للون الأسود، فمنه من يعتبره لون الأشياء الرسمية والوقار والاحترام، وهناك من يعتبره لون الحزن واليأس، الاثنان وجهان لنفس العملة.


الإنسان والطبيعة | لغة التراب وأسراره


أنواع التراب

الكل يعلم أن التراب هو تلك الحبيبات التي لونها أسود أو يقترب لونها من اللون الأسود، وهذا صحيح ولكن هناك شيء أخر اسمه الرمل فالرمال تعتبر من أنواع الأتربة، فكما يسمون هناك تربة طينية وتربة رملية وتربة طمية، فلكل تربة صفة خاصة بها، ولكني أريد أن أنظر إليها بنظرة مختلفة ألا وهي نوعية السكون، فمثلا التراب الجاف تماما هو تراب تقل خصوبته مع الوقت، حتى يصبح ليس به أي حياة، مثل الصحراء الجرداء، فيكون التراب مثل الصحراء تمام، ولكن بمجرد نزول المياه والأمطار تتحول صفة الموت في هذا التراب إلا الحياة أو الاستعداد للحياة، ونحن نزعم أن الحياة كلها لن تنتهي حتى يتحول كل شئ إلى تراب فقط وتجف الأرض كلها من أي نقطة مياه، وتمنع السماء المياه على الأرض، ومن ثم تصبح الأرض ملساء مستوية ليس بها أي جبال أو تضاريس، انظر في سورة طه | (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107) )، إذن فالأرض كلها تتحول إلى تراب فقط وتجف كل مياه الأرض ولا تمطر السماء بإذن الله، حتى يأذن الله بقيام القيامة والحياة الثانية، وبالتالي تبدأ السماء بالمطر ويبدأ التراب بالتحول -بإذن ربه- ويعود كل كائن مرة أخرى للحياة الثانية.

– وإليك تفسير الثلاث آيات المذكورة من سورة طه، استمع إلى الدرس الجميل من هنا  للشيخ (خالد بن عثمان السبت)

– وإليك مقالة (التربة في القرآن الكريم) (من هنا)

فأقصد من أنواع التراب وهي الأتربة من حيث كونها هل مستعدة للحياة / الزراعة أم غير مستعدة، فهناك أتربة لا تتفاعل مع الماء إما بالاحتباس أو بالعزل وهي الأتربة التي توضع في المقابر، وهي يتم منعها من الماء سواء ماء المرور أو ماء المطر لأنه تم عزله عن الحياة وحتى الشمس، فصار هذا التراب غير مستعد للحياة أو الزراعة، وهذا التراب عديم الحياة، أما التراب الذي هو موجود بالمزارع والحدائق هو تراب يتعرض دوما للماء إما باهتمام المزارع أو مطر السماء، فهذا التراب يكون دائما مبتل حتى ولو جفت فترة لكن الطبقة التحتية بها نسبة من الماء وهي ما تحافظ على الأملاح المعدنية والفيتامينات حية حتى يضع الفلاح البذرة لتستفيد منها.

لغة التراب

كل هذه المعلومات عن التراب أردت أن أسردها إليك -قارئي الحبيب- لكي تعرف قيمة هذا التراب هو حد فاصل في الحياة، فهو الكائن الميت الحي، أو الكائن الحي الميت، في الطبيعة، فهو في نفس الوقت حي وفي نفس الوقت ميت، فهو لا غنى عنه لا الأحياء ولا الأموات، وكأنه باب الكل يدخله إما للحياة أو للموت، فلابد من فهم طبيعة هذا المخلوق العجيب، الذي هو مصدر للغنى والوفرة وفي نفس الوقت عكس ذلك وهو الفقر واليأس، فالفلاح يعشق التراب، وعامل النظافة يكره، فلكل منهما نظرة مختلفة وهما لاثنان معهما حق، لأن الفلاح وجد التراب في مكانه الصحيح، فكان التراب مصدر للحياة والغذاء، أما عامل النظافة يرى التراب في مكانه الخطأ، ولا يصح أن يستمر كذلك فيضطر إلى نظافة المكان منه، هذا معروف في المجتمع، ولكني كيف أفهم التراب..؟

إذا كنت تتواجد في مكان مدني أي غير موجود به بيئة زراعية، وكنت ترى التراب في مكتبك كثيرا أو في غرفتك فاعلم أن هذا رسالة، فبالرغم من أنك تنظف حجرتك دوما إلا أن التراب لم يترك بيتك أو منزلك أو مكان عملك، وهذا معناه أنك شخص كسول وغير منظم، وأنت في طريقك للفقر أو أنك ستعرض إفلاسك قريبا، وهذا إشارة لك، وكذلك إذا كان الأمر في كل حجرات المنزل، فاعلم أن كل أفراد المنزل كسولة ولا تعمل بالشكل الصحيح أي لا تعبد الله كما يجب أن يكون، فلغة التراب هنا تقول لك أو لكم تحركوا وابدأوا بالإنتاج أكثر وأكثر، وكذلك التراب علامة على وجود شخص مكتئب في هذا المكان، وكذلك إشارة إلى ربة المنزل أو المرأة المتزوجة، رسالة إليها بأن تعلم أن في البيت خلل كبير أو في علاقتها مع زوجها بها خلل كبير جدًا، ولابد من أن تحلق نفسها، لأن الأمر قد يصل للطلاق، وأيضا رسالة لها أن زوجها فقير بسببها هي، وأنها تمتلك أفكارًا تجعل زوجها غنيًا، أو أنها لم تتحدث مع زوجها منذ فترة أو أن زوجها مسافر وهو بعيد عنها ويعاني في سفره.

أما إذا كان في البيت أطفال فقط أو البيت كله في بداية حياتهم، فالرسالة موجه للآباء، بأنهم يجبرون ويقهرون أطفالهم على أشياء تجعلهم فقراء في المستقبل، فاعطوا لأبنائكم فرصة التعبير عن مواهبهم؛ لأنها سبب من أسباب الغنى والوفرة في المستقبل القريب.

أما إذا كان المنزل كله أولاد (بنين) فاعلموا أن فرصة زواجكم بعيدة وفرصة فقركم كبيرة جدا، وكذلك إذا كان كل من بالمنزل فتيات (بنات / صبايا) فاعلمن أنكن لا تحبن بعضكن فأصلحن بينكن، حتى تبدأن في التحرك والانطلاق في حياتكن، ورسالة لكل من يجد التراب في أي مكان غير مخصص له، هذه رسالة عامة وهي أن تبدأ بزرع أي نبات في هذا المكان كنبات الزينة مثلا، أو الأشجار تحت منزلك، أو حتى أنك تشتري قطعة أرض زراعية وتراعها أو تجعلها إحدى مشاريعك.


للاشتراك في الموقع اضغط هنا


الخلاصة

إن علامة وجود التربة، أو التراب هو علامة على وجود حياة هنا، أو بالأخص عبارة عن وجود حياة كانت في هذه المنطقة، وأيضا علامة على إمكانية حدوث حياة أخرى، فلا تهمل التراب واجعله لغة تتحدث معك الطبيعة من أجله.


 شارك المقالة مع من تحب 

ويستحسن قراءتها مرة أخرى حتى تلم بفوائدها كلها

* * *

إذا كان لديك أخي الحبيب / أختي الحبيبة أي تساؤل أو استفسار حول هذا الموضوع اترك تعليقًا وسأرد عليك قريبًا بإذنٍ من الله، أو يمكنك التواصل معي عبر تطبيق (الواتس اب) الذي سيظهر لك أسفل يمين الشاشة، وأشكركم من كل قلبي على قراءتكم وتواصلكم الجميل الذي يدل على كرم نفوسكم الكريمة .. كحلاوي حسن

أقترح إليك هذه المقالات الشتوية كما أسميها:

1- أسرار لا تعرفها عن نفسك

2- التحليل العلمي للصبر والصابرين

3- كيف تتحرر ؟ (الهجرة الحقيقية)

4- التحليل العلمي للكهرباء 

5- التحليل العلمي للأغاني والموسيقى

6- كيف تعيش في الشتاء

7- علاقة لا يعرفها الآخرون (الإنسان والطبيعة)

8- لغة المطر وأسراره.

************************

* إليك أحدث قائمة لدينا من سلسلة التحليل العلمي :

1-التحليل العلمي للكسل والكُسالى .

2- التحليل العلمي للصبر والصابرين .

3- أهم بداية في حياتك (إذا كنت تريد التغيير)

* يمكنك قراءة هذه المقالات الحصرية :

1- كيف تتحرر وتنطلق في حياتك؟

2- كيف تتعامل مع أفكارك ؟

3- أسرار لا تعرفها عن نفسك .


*   *  *

لمتابعة مبادرة (اقرأ من جديد) اضغط هنا 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى