يجب أن تنسى لتتعلم! مالا تعرفه عن النسيان

   النسيان، هل تعاني من النسيان؟ ربما تعرف شخصا يعاني من النسيان المفرط رغم صغر سنه و قد تعرف شخصا آخر يملك ذاكرة قوية رغم كبر سنه! و قد تدهش حين تعرف أن النسيان لا يرتبط أساسا بالتقدم في السن، و قد تدهش أكثر حين تعلم أن النسيان مفيد و ضروري كآلية للتعلم!

يوميا و في كل لحظة تقوم حواسنا بالتقاط المعلومات من المحيط و تخزنها بالعقل، و منها نخلق مالا يحصى من الذكريات في حياتنا في كل لحظة، غير أننا ننسى الكثير منها. فهل تساءلت يوما لما تنسى ذكريات معينة دون أخرى؟ و لما تنسى أمورا محددة في حين يتذكرها آخرون؟!

النسيان آلية العقل للتعلم

   على عكس الاعتقاد السائد أن الذكريات ببساطة تضمحل مع الوقت، و أنها أمر سلبي و معاناة يومية، فإنه و طبقا للعلماء فإن النسيان هو شكل من أشكال التعلم و هو ضروري.

يقترح فريق من الباحثين و العلماء نظرية مفادها أن نسيان الذكريات و نسيان أمور قد تعلمتها أو معلومات قد لُقِّنتها قد يكون ميزة من الميزات الوظيفية في الدماغ، و قد تكون طريقة فعالة للتعلم.

فالتغذية البيئية و إمكانية التوقع هي ما يتحكم في قدرتنا على الوصول إلى بعض الذكريات، إذن فبدلا من أن يكون خللا، فإن النسيان قد يكون ميزة وظيفية داخل الدماغ، تسمح بالتفاعل مع المحيط.

النظرية الجديدة تم اقتراحها من قبل الدكتور توماس ريان أستاذ في الكيمياء الحيوية بمعهد علم الأعصاب بترينيتي دبلن، و الدكتور بول فرانكلاند و هو أستاذ في علم النفس من جامعة تورنتو.

يؤكد الباحثون أن في ظل العالم المتغير الذي نعيش فيه فإن الذكريات التي تم اكتسابها في ظروف مختلفة عن المحيط الحالي و الظروف الحالية، يعتبر نسيانها إيجابيا للعيش بهناء. و بالتالي، نسيان بعض الذكريات يعتبر نافعا و مهمّا، فهو يؤدي إلى جعل الشخص أكثر مرونة و أكثر قدرة على اتخاذ أفضل القرارات في حياته.

و يضيف فريق الباحثين أننا طوال مسيرة حياتنا المليئة بالتجارب نتعلم بوعي أو بدون وعي منا أن ننسى بعض الذكريات و الإبقاء على أخرى، هذه الأخيرة التي تكون أكثر أهمية و أكثر نفعا لنا.

هل النسيان فقدان نهائي للذكريات

   هل سبق لك أن عجزت عن تذكر أمور و بعد مرور وقت أو بذل مزيد من الجهد تمكنت من تذكرها؟

لدى البعض يعتبر النسيان مشكلة عويصة بسبب فقدان المعلومات، غير أن البحوث المتنامية في هذا المجال تُظهر أن النسيان ليس نتاج فقدان للمعلومات أو فقدان للذكريات و إنما هو نتاج تغير في إمكانية الوصول إلى هذه الذكريات.

كيف يحدث النسيان

   يشرح الدكتور توماس ريان آلية حدوث النسيان على مستوى الدماغ مشيرا إلى أن الذكريات تخزن في مجموعات من الخلايا العصبية تدعى Engram cells، و أن التمكن من استدعاء هذه الذكريات يعتبر اتصال ناجح مع هذه الخلايا العصبية و تفعيل ناجح لهذه المجموعات العصبية.

و عليه فإنّ الإمتداد المنطقي لهذه العملية هو أن النسيان يحدث عندما لا يُتمكن من إعادة تفعيل هذه المجموعات العصبية. الذكريات نفسها موجودة هناك مخزنة داخل هذه المجموعات، لكن إن لم يُتمكن من تفعيل هذه المجموعات فلن يُتمكن من استدعاء الذكريات التي تحملها.

يمكنك القول عن هذه العملية أن الذكريات مخزنة هناك في المجموعات الخلوية العصبية للذاكرة، و العلة الوحيدة هو أنك لا تملك الشفرة الصحيحة للولوج إليها و استدعائها.

متى يصبح النسيان مرضيا

   يقول الدكتور فرانكلاند عن النسيان المرضي: ” من المهم أن ندرك أن هذا النسيان الطبيعي هو عملية طبيعية و لازمة في الدماغ، أما في حالة العلل الصحية، مثل الأشخاص الذين يعانون من مرض الزهايمر فإن آلية النسيان هذه تكون سلبية بحيث تحدث بسبب انخفاض كبير في إمكانية الوصول للخلايا العصبية للذاكرة أو تلف على مستوى هذه الخلايا العصبية، و بالتالي يعتبر فقدان ذاكرة مرضي”.

إذن، الحالات المرضية المرتبطة بالنسيان تفسد آليات النسيان الطبيعية و ربما تفسد الخلايا العصبية نفسها، مما ينتج عنه انخفاض كبير في إمكانية الوصول للخلايا و فقدان الذاكرة جزئيا و ربما كليا.

النسيان شكل من أشكال المرونة العصبية

   الفرضية الرائدة في هذا المجال كما سبق و ذكرنا تقترح أن الذكريات تخزن في مجموعات من الخلايا العصبية، و التذكر ما هو إلا اتصال ناجح يتضمن إعادة تفعيل هذه المجموعات، في حين أن النسيان هو حدوث العكس.

و تقترح أيضا هذه الفرضية أن أشكال النسيان الطبيعي تتغير انطلاقا من الآليات الأساسية المتحكمة فيها و هي مرور الوقت و إمكانية الانعكاس.

في حين يقترح كل من توماس ريان و بول فرانكلاند أن كل أشكال النسيان تتضمن نموذج دائري يحول الخلايا العصبية للذاكرة من حالة كونها قابلة للوصول إليها و بالتالي اختراقها ( أي يمكن إعادة تفعيلها بوساطة إشارة عصبية ) و بين كونها في حالة غير قابلة للوصول إليها و اختراقها ( أين لا يمكن تفعيلها ).

و يؤكد الباحثان في دراستهم حول آلية النسيان: ” إن في كل الحالات، مستوى النسيان يتحكم فيه من خلال المحيط، و بالتالي نقترح أن النسيان هو شكل من أشكال المرونة العصبية التي تغير مدى إمكانية الوصول للخلايا العصبية للذاكرة بطريقة حساسة لعدم التطابق بين التوقعات و المحيط الحالي.”

إذن النسيان الغير مرضي أمر يمكن التحكم فيه، و ذلك بتقوية المرونة العصبية التي يتمتع بيها دماغك، و يكون ذلك أكيد بالتمارين و ربما بتعلم تقنيات من بينها تقنيات برمجة العقل الباطن.

لفهم أكثر حول هذا الموضوع زورونا على قناتنا على اليوتيوب Theta.

المصادر:

Forgetting as a form of adaptive engram cell plasticity

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى