إختصاصات محاكم الإستئناف التجارية على ضوء قانون 5395

إختصاصات محاكم الإستئناف التجارية على ضوء قانون 53.95

تقديم:

إن وجود طبقات مختلفة في المجتمع، يعني حتما وجود مصالح متناقضة ومتضاربة، تؤدي إلى حدوث نزاعات لا متناهية، يرجع أمر الفصل بشأنها إلى القضاء باعتباره المؤسسة المعنية بتحقيق العدالة الإجتماعية، هذا يستدعي  لزوماً تدخل الدولة من أجل العمل على تطويره وإصلاحه بإستمرار لأنه حق للدولة وواجب عليها في الوقت ذاته.

وإدراكا للأهمية القصوى للقضاء كمؤسسة حيوية داخل الدولة وظيفتها خدمة المتقاضين باستقلالية وفعالية، ونجاعة وفق مساطر مبسطة، وطبق أساليب تدبير حديثة، تم الاعتراف به كسلطة ثالثة داخل النظام القانوني المغربي وذلك بمقتضى دستور المملكة لسنة 2011

  انخرط المغرب منذ الحماية في إصلاح ورش القضاء و القوانين ذات الصلة، و نخص بالذكر التنظيم القضائي و القانون التجاري و ذلك استجابة لمتطلبات دولة الحق والقانون ، و هكذا صدر أول قانون تجاري  في 13 غشت 1913 عملت على تطبيقه المحاكم الفرنسية التي أصبحت تعرف بعد الاستعمار بالمحاكم العصرية.

   واستمر مسلسل الإصلاحات بعد المراجعة الدستورية لسنة 1992 بإدخال تعديلات مهمة من بينها ، تقريب القضاء للمتقاضين ، وتطوير المؤسسات القضائية ،و ضمان المحاكمة العادلة.

   لقد حقق المغرب إنجازا مهما تجسد في إحداث محاكم متخصصة ، و يتعلق الأمر بكل من المحاكم الإدارية بموجب قانون 41.90 الصادر سنة 1993 ،و المحاكم التجارية التي تم إحداثها بعد مصادقة مجلس النواب على المشروع الذي تقدمت به الحكومة تحت رقم 53.95 و إصدار ظهير شريف رقم 1.97.65 بتاريخ 12 فبراير 1997 القاضي بإحداث المحاكم التجارية ومحاكم الإستئناف التجارية التي تنظر في المنازعات و القضايا ذات الطابع التجاري و قد جاء هذا الإحداث لمسايرة التحولات الاقتصادية و السياسية التي عرفها مجال المال و الأعمال.

  ويكتسي هذا الموضوع أهمية بالغة وذلك بالنظر الى خصوصيات هذه المحاكم، كما أن أهمية المحاكم التجارية المتخصصة تفرضها أيضا المصلحةُ العامة المتمثلة في متطلبات التنمية، والتي تتجلى بوضوح في أهميتها في دعم التنمية وتشجيع الاستثمار.

  وسنعمل من خلال هذا الموضوع على التطرق لمحاكم الإستئناف التجارية من خلال قانون 53.95، وبعض القوانين الأخرى، وذلك بالحديث عن نشأتها وكذا تأليفها واختصاصها في الميدان التجاري والمسطرة المتبعة أمامها.

 قبل الخوض في غمار هذا البحث راودتنا إشكالية على الشكل التالي:

 ما مدى توفق المشرع المغربي في تبسيط الإجراءات المسطرية أمام المحاكم التجارية؟

هذه الإشكالية يمكن تقسيما الى الأسئلة التالية:

·         هل تستجيب هذه المحاكم إلى الهواجس التي أدت إلى احداثها ؟


·         وهل ستخفف من عبء محاكم الولاية العامة ؟


ولمعالجة هذه الإشكاليات  يقتضي الأمر أولا التساؤل حول تكوين هذه المحاكم فيما يتعلق بجهازين الرئاسة و النيابة ، و ثانيا تحديد الاختصاصات و الاجراءات التي يجب اتباعها امام هذه المحاكم أثناء التقاضي .

وهكذا تتكشف الخطة التي سنتبعها لمحاولة الإحاطة بهذه التساؤلات ، معتمدين في ذلك المنهج الوصفي التحليلي ، مسترشدين بالاجتهاد القضائي كلما سنح المقام بذلك ، و تأسيسا على ما ذكر سنشرع في تحليل هذا الموضوع من خلال فصلين :

 

 الفصل الأول: نشأة وتوزيع محاكم الإستئناف التجارية

 

الفصل الثاني: الإختصاص والمسطرة المتبعة أمام محاكم الإستئناف التجارية


الفصل الأول: : نشأة وتوزيع وتأليف محاكم الإستئناف التجارية

   

   لقد عرفت المملكة المغرية في السنين الأخيرة مجموعة من التشريعات الهامة المتعلقة بالميدان الاقتصادي و التجاري، فرضتها ظروف التطور الاقتصادي الذي تعرفه المملكة شأنها في ذلك شأن باقي الدول المتقدمة ، ولا يتعلق الأمر بتنقيح القوانين الموجودة ، بل بمراجعة جدرية لها، وقد شملت هذه المراجعة جميع موضوعات القانون الإقتصادي، وسنحاول في هذا الفصل التحدث عن نشأة وتوزيع المحاكم التجارية وكذا محكمة الإستئناف التجارية وذلك في المبحث الأول على أن نخصص المبحث الثاني للتأليف البشري لهذه المحاكم.

المبحث الأول: نشاة وتوزيع محاكم الإستأناف التجارية

   قبل الشروع في الإجابة عن تساؤل سبق ذكره حول تكوين المحاكم التجارية وكذا محاكم الإستئناف التجارية فإن الفضول يطرح نفسه حول نشأتها{ المطلب الأول} وتوزيعها من جهة ثانية { المطلب الثاني}

المطلب الأول: نشأة المحاكم التجارية

   سنخصص هذا المطلب للحديث عن نشأة المحاكم التجارية بنوعيها الإبتدائية و الإستئنافية، وذلك قبل صدور القانون53.95 { الفقرة الأولى } وبعد صدوره { الفقرة الثانية }

الفقرة الأولى: قبل صدور قانون 53.95

    قبل فرض الحماية الفرنسية كانوا المغاربة يخضعون في معاملاتهم لأحكام الشريعة الإسلامية وبعض الأعراف المحلية، وبمجرد توقيع معاهدة الحماية سنة 1912 بادرت السلطات الفرنسية الى تأسيس لجنة من الفقهاء الفرنسيين لوضع مجموعة من القوانين ضمن ما يعرف بألإصلاح القضائي، والتي شملت قانون الإلتزامات والعقود سنة 1913[1]

 وبمجرد حصول المغرب على الإستقلال توجه نحوى اصلاح نظامه الضريبي والجمركي، وتشجيع الإستثمار في القطاع الخاص، وعلى المستوى القانوني ظلت النصوص القانونية الصادرة في عهد الحماية هي المطبقة في المغرب المستقل لعدة سنوات، إلى أن تبين عدم صلاحيتها لمسايرة الظروف الجديدة التي أصبح المغرب يعيشها على إثر إبرام اتفاقية الغات، وإنشاء منظمة التجارة العالمية، وإبرام اتفاقية شراكة مع المجموعة الأوربية[2].

     وعرف المغرب أول قانون تجاري يوم 12 غشت 1913 اعتبر المصدر الأساسي في حل النزعات التجارية، إلا انه كانت تتخلله مجموعة من الثغرات، عمل المشرع على تداركها، صادر بذلك عدة نصوص متناثرة من بينها ظهير 31مارس1914 المتعلق ببيع ورهن الأصل التجاري وظهير 11 غشت 1922 المتعلق بشركات الأموال، واقتصر مجال تطبيق عدة قوانين على المحاكم الفرنسية كما حددت ذلك الحماية الفرنسية بمقتضى ظهير 13 غشت 1913 التي أصبحت تعرف بعد الاستعمار بالمحاكم العصرية، ولم تطبق على المغرب إلا بمقتضي قانون التوحيد والتعريب والمغربة الصادر في 26 يناير 1965 حيث أدمجت المحاكم العادية أي محاكم السدد والمحاكم الإقليمية، إلا أنه ظهرت في هذا الجهاز عدة ثغرات ولتفاديها أدمجت محاكم السدد في المحاكم الإقليمية وسميت بالمحاكم الابتدائية والتي كانت تختص بالنظر في جميع القضايا المدنية والإدارية والتجارية والاجتماعية وقضايا الأحوال الشخصية والميراث وفي نطاق هذا التطور التاريخي للتنظيم القضائي المغربي ظهرت المحاكم المتخصصة بإحداث المحاكم الإدارية بموجب قانون 41.90 سنة 1993، ومسايرة للتحولات الإقتصادية والسياسية وما يتطلبه ذلك من إصلاح القوانين الإقتصادية استحدثت مجموعة من القوانين منها مدونة التجارة، مما استدعي الأمر إحداث كذالك المحاكم التجارية ومحاكم الإستئناف التجارية  بمقضى قانون 53.95 كجهاز متخصص بتطبيق تلك القوانين[3].

الفقرة الثانية: بعد صدور قانون 53.95

   بعد إصدار ظهير شريف رقم 1.97.65 بتاريخ 12 فبراير 1997 القاضي بإحداث المحاكم التجارية تما إدراجها في إطار التنظيم القضائي للمملكة بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.98.118 الصادر بتاريخ 30 جمادى الاولى 1419 ، الموافق لتاريخ 22 سبتمبر 1998 ، القاضي بتنفيذ القانون رقم 6.98 المغير و المتمم بموجبه الظهير الشريف رقم 1.74.338 بتاريخ 24 جمادى الآخرة 1394 ه ، الموافق لتاريخ 15 يوليو 1974 المعتبر بمثابة قانون يتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة .

   وقد جاء إحداثها لمواكبة التطورات التجارية و المالية التي عرفها المغرب بعد إبرام مجموعة من الاتفاقيات الدولية، مثلا اتفاقية التبادل الحر مع الإتحاد الأوروبي سنة [4]1996 ، حيث أن مجال المال و الأعمال كان في حاجة ماسة إلى إحداث قانون جديد يواكب التطورات التي يعرفها، الشيء الذي دفع بالمشرع المغربي إلى إصدار مجموعة من النصوص القانونية التي عززت حضور القاعدة القانونية في مجال المال و الأعمال و ساهمت كذلك في تطوير هذه المنظومة الاقتصادية في المغرب[5].

   وما إن وضع المشرع نصوصا قانونية تحمي وتقوي فعالية ونجاعة المجال الخاص بالمال و الأعمال  قد وضع كذلك المحاكم التجارية أو القضاء التجاري ، مهمته الأساسية تتجسد في السهر على تنفيذ و تطبيق وتفعيل هذه المقتضيات، ويعلق الجميع على القضاء التجاري آمالا كبرى لما يكتسبه من أهمية بالنسبة لفض المنزاعات في المجالات التجارية بالسرعة التي تقتضيها طبيعة هذه المعاملات ، وما يتوخى منه من تدعيم للثقة الضرورية لتشجيع الاستثمارات .

المطلب الثاني: توزيع المحاكم التجارية

  نص المشرع بقانون 95-53 القاضي في مادتيه الأولى و الثانية اللاتين تعتبران الحَجَر الأساسي لإحداث قضاء تجاري مغربي قائم الذات و مستقل عن القضاء المدني ، على أنه تحدث بمقتضى هذا القانون محاكم تجارية و محاكم استئناف تجارية تحدد بمرسوم عدد هذه المحاكم التجارية و محاكم الاستئناف التجارية و مقارها و دوائر اختصاصاتها .

  الفقرة الأولى:محاكم ابتدائية تجارية

   نصت المادة الأولى من المرسوم رقم 2.97.771 الصادر في 25 من جمادى الآخرة 1418 الموافق ل 28 أكتوبر [6]1997 ، على أنه تحدد عدد المحاكم بستة وهي بكل من الرباط والدار البيضاء و مراكش و فاس و طنجة و اكادير ، ثم تم تعديله أمام الرغبة الملحة لتطوير القضاء التجاري و توسيعه بحكم التطور الذي كان يعرفه الاقتصاد المغربي و ما يفرضه ذلك من إنماء للقضاء المغربي كسبب أول ، أما الثاني فهو الحاجة إلى الاستثمارات الأجنبية.

  حيث جاء في خطاب الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله في نفس السياق بتاريخ 24 أبريل 1995 بمناسبة استقباله أعضاء المجلس الأعلى للقضاء ما يلي : ” إن المغرب إذا أراد أن ينفتح على العالم يجب أن يكون كذلك قضائه منفتحا، و في مستوى قضاء العالم … لأنه لا يمكن لهذا المغرب أن يفتح أبوابه للمال الأجنبي إذا لم يكن ذلك المال الأجنبي عارفا أنه في مأمن من الشطط  و سوء الفهم … فالقضاء اليوم لم يصبح فقط أساسا لطمأنينة الرعية و المجتمع بل أصبح ضروريا للنماء، و لذلك ارتفع عدد المحاكم إلى ثمانية محاكم بأن أضيفت إلى المدن السابقة مدينتي مكناس ووجدة، وذلك بمقتضى المرسوم رقم 2.00.280 الصادر في 17 من ربيع الأول 1421 الموافق ل 20 يونيو 2000 في الجريدة الرسمية[7]    

الفقرة الثانية: محاكم استئناف تجارية

   نصت كذلك المادة الأولى على عدد محاكم الاستئناف التجارية وهو ثلاث محاكم تعين مقارها ودوائر اختصاصها في الجدول الملحق بالمرسوم .

     وهاته المحاكم حسب الجدول هي ؛ محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء التابعة لها كل من المحكمتين التجاريتين بالرباط و الدار البيضاء و الدوائر التابعة لنفوذها ، و محكمة الاستئناف التجارية بفاس التي تخضع لها أربع محاكم تجارية تتواجد بكل من فاس و مكناس و طنجة و وجدة ودوائرها ، ومحكمة الاستئناف التجارية بمراكش و تخضع لها المحكمتين التجاريتين بكل من مراكش و اكادير كما تخضع لها بطبيعة الحال عدة دوائر قضائية مفصلة في الجدول الملحق بالمرسوم .

   نلاحظ أنه ورغم اتساع رقع بعض محاكم الاستئناف التجارية فإن اكبر دائرة قضائية بالمغرب هي الدائرة القضائية لمحكمة الاستئناف التجارية بفاس.

   وختاما لهذا المطلب يمكن القول أن المحاكم المتخصصة في القضاء التجاري غير موزعة بالشكل الكافي على جميع اقاليم المملكة حتى يتسنى للمتقاضي ان يمارس حقه في التقاضي عندما يتعلق الأمر بمسائله التجارية، حيث نجد ساكنة الحسيمة على سبيل المثال يتنقلون الى المحكمة التجارية بطنجة من أجل رفع الدعاوى المتعلقة بتجارتهم، وفي ذلك مضيعة للوقت وكثرة مصاريف التنقل.

المبحث الثاني: التأليف البشري لمحاكم الإستئناف التجارية في القانون الحالي ومشروع قانون 38.15

 تعتبر محاكم الاستئناف التجارية، درجة ثانية من درجات التقاضي تستأنف لديها الأحكام الصادرة عن المحاكم التجارية، ليتم عرض النزاع و مناقشته أمامها من جديد قبل إصدار حكم جديد في الموضوع إلغاء أو تأييدا أو تعديلا تجسيدا لمبدأ التقاضي على درجتين المكفول قانونا، فيكون التقاضي أمام هذه المحاكم فرصة ثانية لتصحيح ما قد يطال الحكم الابتدائي من قوادح قانونية، و فرصة أخيرة للأطراف لتدارك ما فات أوجه دفاعهم في المرحلة الابتدائية من الناحيتين الواقعية و القانونية، وسنبين من خلال هذا المبحث التأليف البشري لهذه المحاكم في القانون الحالي { المطلب الأول } ومشروع قانون 38.15 { المطلب الثاني }.

المطلب الأول: التأليف البشري على ضوء القانون الحالي

  بالنظر الى القانون المنظم لهذه المحاكم  نجد المادة 3 منه تنص على أن العنصر البشري لهذه المحاكم اما أن يكون منتميا لجناح الرئاسة { الفقرة الأولى } أو لجناح النيابة العامة {الفقرة الثانية }

الفقرة الأولى: جناح الرئاسة

  الرئيس الأول:

  هو المسؤول الأول على محكمة الاستئناف و على المحاكم التجارية الابتدائية التابعة لدائرة نفوذها من خلال الرقابة التي يبسطها عليها باعتباره الرئيس الأعلى لها.

 ويتولى الرئيس الأول الى جانب مهامه القضائية التي يمارسها بصفته رئيسا أولا و قاضيا للأمور الاستعجالية، مهام تنظيمية و إدارية من خلال إشرافه المباشر على مستشاري المحكمة، و موظفي كتابة الضبط، و السهر على توزيع الأشغال وعل تأمين السير العادي و المنتظم للعمل داخل المحكمة، من خلال ترؤسه للجمعية العمومية للمحكمة و إشرافه اليومي على سير الأشغال بها، علاوة على توليه مهمة التفتيش التسلسلي للمحاكم التجارية الابتدائية التابعة لدائرة نفوذه[8] .

رؤساء الغرف:

  وهم من القضاة المستشارين بالمحكمة، الذين تسند إليهم مهام رئاسة الغرف التي تتكون منها المحكمة، علاوة على مهام الفصل في المنازعات التي تعرض على المحكمة[9].

– المستشارون؛

يتولى قضاة محاكم الاستئناف التجارية الذين يسمون بالمستشارين، مهام الفصل في المنازعات التي تعرض على المحكمة من خلال تشکیلہم لہیئات الغرف التي تتألف منها المحكمة، إلى جانب قيام بعضهم بالنيابة عن الرئيس في اختصاصاته، أو بمهام خاصة كمهام القاضي المكلف بالتنفيذ[10].

-كتابة الضبط :

كتابة الضبط، هيئة تتألف من الموظفين الإداريين والتقنيين التابعين لرئاسة المحكمة، ويخضعون للإشراف المباشر لرئيس هيئة كتابة الضبط، وإشراف الرئيس الأول للمحكمة. ويتولون مباشرة العديد من المهام ذات الصبغة القضائية والإدارية والتقنية والمالية، على غرار ما عليه الأمر في المحاكم الابتدائية في مجال الإجراءات المدنية[11].

الفقرة الثانية: جناح النيابة العامة[12]

يتألف العنصر البشري للنيابة العامة من وكيل الملك ونائب له أو عدة نواب، ومن موظفي كتابة النيابة العامة.

 -قضاة النيابة العامة

  إلى جانب مؤسسة الرئاسة تتألف محكمة الاستئناف التجارية من نيابة عامة تتكون من وكيل عام الملك ونائب عام له أو عدة نواب عامون، يسهرون على حسن تصريف الأشغال المنوطة بجهاز النيابة العامة داخل دائرة نفوذ المحكمة.

  ويعتبر الوكيل العام للملك المسؤول الأول عن جهاز النيابة العامة تحت إشرافه بمحكمة الاستئناف وبالمحاكم الابتدائية التجارية التابعة له، من خلال إشرافه المباشر على نوابه الذين يخضعون لتعليماته وأوامره بصفته رئيسا تسلسليا، ورقابته على وكلاء الملك بالمحاكم التجارية الابتدائية ونوابهم. كما يشرف على موظفي كتابة النيابة العامة، وعلى توزيع الأشغال على نوابه وعلى موظفي النيابة.

  وتضطلع النيابة العامة في المحاكم التجارية الاستئنافية بنفس مهامها الابتدائية متمثلة في السهر على المصلحة العامة والنظام العام الاقتصادي، والسهر على التطبيق السليم للقانون. من خلال ما تستمده من صلاحيات بمقتضى مدونة التجارة وقوانين الشركات وغيرها من القوانين الخاصة فضلا عن المقتضيات العامة لقانون المسطرة المدنية.

– موظفو النيابة العامة.

تتألف كتابة النيابة العامة من الموظفين الإداريين والتقنيين التابعين لجهاز النيابة العامة، ويخضعون للإشراف المباشر لرئيس كتابة النيابة، وإشراف الوكيل العام للملك. ويتولون مهام الكتابة والمساعدة في مباشرة المهام التي يأمر بها الوكيل العام للملك.

   وينص القانون المحدث للمحاكم التجارية على أنه يجوز أن تقسم محكمة الاستئناف التجارية إلى عدة غرف حسب طبيعة القضايا المعروضة عليها، ويمكن لكل غرفة أن تبحث وتحكم في القضايا المعروضة على المحكمة، وطبعا يتم احداث الغرف وتوزيع المهام على القضاة بها بناء على الجمعية العامة التي تنعقد خلال 15 يوما الأولى من شهر دجنبر أو كلما رأى الرئيس ضرورة انعقادها استثناء[13].

المطلب الثاني: التأليف البشري على ضوء مشروع قانون 38.15 

  سنتناول في هذا المطلب سياقات صدور القانون رقم 38.15 { الفقرة الأولى } وسننتقل الى التأليف البشري لمحاكم الإ ستأناف التجارية على ضوء هذا القانون في { الفقرة الثانية }

الفقرة الأولى: سياقات صدور مشروع قانون 38.15

    يعتبر قانون التنظيم القضائي الذي تمت المصادقة عليه من طرف البرلمان من القوانين الرئيسية المهيكلة للقضاء المغربي فيما له صلة بالمؤسسات والقضاة، ويمكن أن نصنفه في المرتبة الثالثة بعد القانونين التنظيميين المتعلقين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة، كما أنه يأتي بعد أزيد من أربعين سنة من تطبيق  ظهير 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة الحالي، وقد جاء القانون الجديد الذي نحن بصدده  في ظرفية خاصة تميزت بارتقاء دستور 2011 بالقضاء كسلطة قائمة الذات ومستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية. وجاء ليتبنى خلاصات توصيات جلسات الحوار الوطني حول الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة، كما سعى إلى إعادة النظر في تنظيم تشريعي أرهقته كثرة التعديلات وأخرجته عن روحه بسبب جملة من التجارب التي كان التنظيم القضائي المغربي حقلا لها[14].

  وتضمن المشروع الجديد حوالي 120 فصلا مقابل 28 فصلا في القانون الحالي، بمعنى أن عدد المواد تضاعفت الآن أربع  مرات، وحملت زيادة المواد هاته طفرة كمية تهم التغييرات  على مستوى الشكل والمضمون.

 أهمها من ناحية الشكل أننا أصبحنا الآن أمام مدونة متكاملة للتنظيم القضائي تم الدمج في طياتها كل النصوص المتفرقة هنا وهناك في قوانين مستقلة او خاصة، وذلك من قبيل الأحكام المتعلقة بتنظيم قضاء القرب الذي ينظمها الآن قانون مستقل وكذلك الأمر بالنسبة للمحاكم الإدارية ومحاكم الاستئناف الإدارية والمحاكم التجارية ومحاكم الاستئناف التجارية وبعض المقتضيات المدمجة في صلب قانوني المسطرتين (المدنية والجنائية).

الفقرة الثانية: التأليف البشري

 حددت المادة 75 من مشروع قانون 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي تشكيلة محكمة الاستئناف التجارية بقولها “تتألف محكمة الإستئناف التجارية من:

– رئيس أول ونائب للرئيس الأول ومستشارين.

– نائب للوكيل العام للملك أو أكثر يعينهم الوكيل العام للملك لدى محمكة الإستئناف التي توجد بدائرتها محكمة الإستئناف التجارية للقيام بمهام النيابة العامة أمام هذه المحكمة.

– كاتب عام للمحكمة وهيئة موظفي كتابة الضبط.

وهذا التوجه التشريعي لا يختلف مع ما هو معمول به في ظل القانون الحالي.


 

الفصل الثاني: الإختصاص والمسطرة أمام محاكم الإستئناف التجارية

 

  عمل المشرع من خلال إحداث المحاكم التجارية بنوعيها على تجاوز التعقيدات والعراقيل التي كانت تعترض السير العادي للقضايا بصفة عامة، والعمل على تبسيط الإجراءات المسطرية تماشيا مع خصوصيات القضايا التجارية، وذلك من خلال التنصيص على مجموعة من المقتضيات القانونية التي تستلزمها هذه القضايا من سرعة البت في النزاعات وفق مسطرة خاصة تتميز باختصار الآجال وتهدف إلى تحقيق عدالة فعلية وحقيقية، وبالتالي فالمحاكم التجارية الإبتدائية والإستئنافية  ليست محاكم استثنائية أو خاصة وإنما هي محاكم عادية تخضع في تسييرها واختصاصها إلى القانون رقم 53.95 إضافة إلى قوانين أخرى كالمسطرة المدنية والتنظيم القضائي، وسنعمل من خلال هذا الفصل على تبيان اختصاص محاكم الإستئناف التجارية { المبحث الأول } وكذا المسطرة المتبعة أمامها { المبحث الثاني }

المبحث الأول: اختصاص المحاكم التجارية الإستئنافية

  سنتناول  مفهوم الإختصاص النوعي والمحلي من خلال { المطلب الأول } على أن ننتقل لإختصاص محاكم الإستئناف التجارية { المطلب الثاني }

المطلب الأول: مفهوم الإختصاص النوعي والمحلي

  الفقرة الأولى: الإختصاص النوعي

   إن معنى الاختصاص النوعي إذا حاولنا تحديده فيمكن القول بأنه سلطة جهة قضائية معينة للفصل دون سواها في دعاوي معينة ، أي يتم تحديد الإختصاص النوعي بالنظر إلى موضوع الدعوى وطبيعة النزاع، والمبدأ العام أن قواعد الاختصاص النوعي متعلقة بالنظام العام، أي لا يجوز الإتفاق على مخالفتها، ويثيرها القاضي من تلقاء نفسه وفي أي مرحلة من مراحل الدعوى[1].

   غير أن قانون المحاكم التجارية  أتاح للتاجر وغير التاجر إسناد الاختصاص للمحكمة التجارية فيما ينشأ بينهما من نزاع يؤول في الأصل للمحاكم العادية، هذا يتبين منه أن هذا الإتفاق يستهدف منه حط يد المحكمة التجارية على ما هو خارج عن اختصاصها، ولا يتيح للأطراف الاتفاق على عكس ذلك عن طريق نقل نزاعاتهم التي تختص بها المحاكم التجارية لتبت فيها المحاكم العادية، ونظرا للإحالة الواردة في المادة 16 من ق.م.م بعمومية مقتضى المادة 19 من قانون المحاكم التجارية[2].
انطلاقا من كل ما سبق، يمكن اعتبار أن قواعد الاختصاص النوعي للمحاكم التجارية ليست من النظام العام، مما يترتب عليه:
لا يسمح بإثارة الدفع به في جميع مراحل الدعوى.
 لا يلزم الجهة القضائية المعروضة عليها بإثارة عدم الاختصاص تلقائيا، بل يحيل في الموضوع على قواعد المسطرة المدنية كما هي مطبقة لدى المحاكم العادية.

   حيث نصت المادة 12 من قانون إحداث المحاكم التجارية على إمكانية اتفاق الأطراف كتابة على اختيار المحكمة التجارية المختصة، مما يدل على أن هذا النوع ليس من النظام العام.

الفقرة الثانية: الإختصاص المحلي

   يقرر الفصل 27 من ق.م.م على جعل المحكمة المختصة محليا للنظر في النزاع، المحكمة التي يقع في دائرتها القضائية، الموطن الحقيقي أو المختار للمدعي عليه، و هذا شيء طبيعي  يجعل توازنا بين طرفي النزاع، فالمدعي هو الذي يقيم الدعوى و يجر المدعى عليه إلى ساحة القضاء، يختار زمن رفع الدعوى بعدما يهيئ نفسه ووثائقه و حججه، فكان من العدل و الإنصاف و تكافؤ الفرص ألا يجر المدعي عليه إليه بل يذهب هو إلى محكمة هذا الأخير، لذلك وحفاظا على هذا التوازن جعل المشرع الاختصاص المحلي إلى محكمة المدعى عليه، بالإضافة إلى أن الأصل هو براءة الذمة و يجب أن يعتبر المدعي عليه بريْ الذمة إلى حين ثبوت ادانته بمقتضى حكم نهائي[3].

  وبالرجوع إلى الفصل  16 يبدو واضحا أن الاختصاص المحلي ليس متعلقا بالنظام العام ما دام المشرع قد عمد إلى نفس الأحكام المشار إليها بالنسبة للدفع بعدم الاختصاص النوعي، بل إن موقف المشرع من الدفع بعدم الاختصاص المحلي كان أكثر صراحة و وضوحا إذ لم يشر نهائيا إلى إمكانية الحكم به من قبل قاضي الدرجة الأولى أو المحكمة الابتدائية و هذا خلاف الاختصاص النوعي الذي أعطى فيه للمحكمة إمكانية الحكم تلقائيا[4].

المطلب الثاني: الإختصاص النوعي والمحلي لمحاكم الإستئناف التجارية

  يمكن ارجاع اختصاصات محكمة الإستئناف التجارية الى نوعين:

اختصاصات الرئيس الأول و اختصاصات المحكمة كمحكمة موضوع

الفقرة الأولى: اختصاصات الرئيس الأول

   يمارس الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف التجارية مهام قاضي المستعجلات متى كان النزاع معروضا على محكمة الاستئناف بصفة ابتدائية، كما يبت بصفة استئنافية في الأوامر الصادرة عن رئيس المحكمة، عملا بالقواعد العامة، ولو لم ينص القانون المنشئ لهذه المحاكم على هذا الاختصاص، كما يمارس نفس الاختصاصات المسندة للرئيس الأول لمحكمة الاستئناف فيما يتعلق بتجريح القضاة، طبقا لمقتضيات الباب الخامس من القسم الخامس من قانون المسطرة المدنية[5].

الفقرة الثانية: اختصاص محكمة الاستئناف كمحكمة موضوع:

   تختص محاكم الاستئناف التجارية بالبت في الطعون الموجهة ضد جميع الأحكام الصادرة عن المحكمة التجارية، بعد أن تم حذف الاختصاص الانتهائي لهذه الأخيرة، والتي كانت تبت ابتدائيا وانتهائيا في حدود الطلبات التي لا تتجاوز قيمتها 20.000 درهما[6].

  أما بالنسبة الاختصاص المحلي، فيشمل الاختصاص المحلي لمحكمة الاستئناف التجارية، دوائر نفوذ المحاكم الابتدائية التابعة لمجالها الترابي.

المبحث الثاني: المسطرة أمام المحاكم التجارية

  سنخصص  هذا المبحث للحديث عن خصائص المسطرة { المطلب الأول } على أن ننتقل للحديث عن قواعد هذه المسطرة في { المطلب الثاني }

 المطلب الأول: خصائص المسطرة أمام المحاكم التجارية

   تتميز المسطرة أمام المحاكم التجارية بعدة خصائص تميزها عن إجراءات التقاضي أمام باقي المحاكم، كما تشترك معها في أخرى، ويمكن إجمال هذه الخصائص في اعتماد المسطرة الكتابية { الفقرة الأولى } إضافة إلى تكريس مبدأ القضاء الجماعي بدون استثناء والاستدعاء بواسطة مفوض قضائي { الفقرة الثانية }.

الفقرة الأولى: اعتماد المسطرة الكتابية

   لم تسمح المادة 13 من قانون إحداث المحاكم التجارية برفع الدعوى أمام هذه المحاكم إلا بمقال مكتوب دون التصريح الشخصي للمدعي، خلافا للقاعدة العامة التي أرساها الفصل 31 من ق.م.م، كما لا تقبل أمام هذه المحاكم الطلبات أو الإدعاءات أو الدفوع التي لم تأت في شكل مذكرات أو مستنتجات كتابية، على خلاف ما هو جاري به العمل حين تكون المسطرة شفوية، ولعل المشرع ابتغى من وراء ذلك الدقة والضبط والفعالية لاسيما وأن الطلبات تصل إلى مبالغ مرتفعة نظرا لخصوصيات المادة التجارية بالمقارنة مع القضايا العادية المعروضة أمام محاكم الولاية العامة.

   وصحة المقال لا ترتكز على الكتابة فقط بل تتطلب التوفر على بعض البيانات الأخرى الضرورية والمنصوص عليها في الفصل 32 من ق م م، لكن في حالة تخلفها يمكن للقاضي المقرر أو القاضي المكلف عند الاقتضاء تحديد البيانات غير التامة أو التي تم إغفالها.

   وبديهي أن يتم رفع الدعوى بالاستعانة بمحام طيلة مراحل الدعوى طبقا للمادة 13 من قانون إحداث المحاكم التجارية، حيث يتعين رفع الدعوى أمام المحكمة التجارية بمقال مكتوب، يوقعه محام مسجل في هيئة من هيئات المحامين بالمغرب تحت طائلة عدم القبول، ومعلوم أن هذا المبدأ نص عليه مبدئيا قانون المحاماة رقم 08-28[7]في المادة 31، حيث أكد على ضرورة المؤازرة بواسطة محام، ما عدا إذا تعلق الأمر بالدولة أو الإدارات العمومية حيث تكون نيابة المحامي أمرا اختياريا.

  ويمتد هذا الإلزام إلى جميع مراحل الدعوى، ويتوجب أن يكون المحامي منتميا لهيئة المحامين بالمغرب أو يزاول المهنة خارج المغرب بحيث ينتمي لدولة تربطها بالمغرب اتفاقية تسمح له بالترافع بعد حصوله على إذن خاص من وزير العدل، شرط أن يعين محل المخابرة معه بمكتب أحد المحامين المقيدين بإحدى هيئات المحامين بالمملكة.

   إلا أنه يستثنى من أحكام المادة 13 الأحوال التي يرخص فيها لمن يتوفر على الكفاءة القانونية اللازمة مباشرة المسطرة في المرحلة الابتدائية فقط أمام المحاكم التجارية بنفسه أو بواسطة أحد الأشخاص المنصوص عليهم في المادة 33 من ق م م وذلك أمام المحاكم التي لا يستقر بدائرتها القضائية عدد كاف من المحامين، وتمنح هذه الرخصة من طرف رئيس المحكمة التجارية بناء على طلب كتابي.

   كما أن المادة 545 من القانون رقم [8]73.17 أعطت الحق لرئيس المقاولة في التقدم بطلب فتح إحدى المساطر المتعلقة بصعوبات المقاولة بطلب يودع لدى كتابة الضبط دون أن يكون ملزما بتنصيب محام.

  إضافة إلى ما نص عليه المشرع المغربي في المادة 763 من القانون أعلاه على أن “يتم تعرض الغير الخارج عن الخصومة ضد المقررات الصادرة بشأن التسوية والتصفية القضائية وسقوط الأهلية التجارية بتصريح لدى كتابة ضبط المحكمة داخل أجل 15 يوما…” كما تنص المادة   764 من نفس القانون على أنه ” يتم استئناف المقررات الواردة في المادة 762 أعلاه وكذا المقررات الصادرة في الطعن بتعرض الغير الخارج عن الخصومة المشار إليها في المادة السابقة بتصريح لدى كتابة ضبط المحكمة…”.

  وقد جاء في قرار لمحكمة النقض بتاريخ 2018/03/01 أنه “يخضع الطعن بالاستئناف المتعلق بالمقررات الصادرة في مادة معالجة صعوبات المقاولة لنص خاص أولى بالتطبيق، يتمثل في المادة 764 من مدونة التجارة، التي تشترط لصحة الاستئناف فقط وجوب التصريح به لدى كتابة ضبط المحكمة مصدرة المقرر المستأنف داخل أجل 15 يوما الموالية لتاريخ تبليغه، دون أن يرد بها أو بغيرها ما يستشف منه وجوب تقديم مذكرة بيان الأسباب والوسائل المؤسس عليها ذلك الطعن داخل نفس الأجل”[9].

الفقرة الثانية: الإستدعاء بواسطة المفوض القضائي والبت بتشكيلة جماعية

 أولا: الإستدعاء بواسطة المفوض القضائي

   بالرجوع للمادة 15 من قانون إحداث المحاكم التجارية نجد أن المشرع قرر تبليغ الاستدعاءات بواسطة المفوضين القضائيين الذين حلوا محل الأعوان القضائيين ما لم تقرر المحكمة توجيه الاستدعاء وفق الطرق المشار إليها في الفصول 37 38 39 من قانون المسطرة، وفي حالة ما إذا تم توجيه الاستدعاء بالوسائل المحددة في قانون المسطرة المدنية دون قرار من المحكمة، يكون التبليغ حينها باطلا[10]، وقد عمد المشرع إلى إعطاء الأولوية للتبليغ بواسطة هذه الهيئة أولا نظرا لتخصصها في هذا النوع من المهام، وثانيا لدقة المساطر أمام المحاكم التجارية وللآثار الاقتصادية السلبية التي قد تترتب عن الخطأ في إجراءات التبليغ[11].

   وهذا ما أكدته محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء في قرار لها جاء فيه ” حيث إن التبليغ بالاستدعاء لحضور الجلسة لم يكن قانونيا، على اعتبار أن سلوك مسطرة الاستدعاء بالبريد المضمون بعد الاشعار بالتوصل لا يمكن اللجوء إليه إلا عندما يتعذر الاستدعاء بالطرق الأخرى وعلى رأسها طريق المفوض القضائي، وبالتالي المحكمة لما لم تحترم التسلسل الذي وضعه المشرع يجعل الحكم معرضا للبطلان، وإن محكمة الدرجة الأولى خرقت حقوق الدفاع لما لم تحترم مقتضيات التبليغ المنصوص عليها في المادة 15من القانون المنشئ للمحاكم التجارية وكذا الفصل 13 من ق م م”[12].

  ويعتبر التبليغ الذي يتم من طرف كاتب المفوض القضائي صحيحا وفق مقتضيات المادة 15 من القانون رقم 81.03 المنظم لمهنة المفوضين القضائيين.

  ثانيا: تكريس القضاء الجماعي

  حسب المادة الرابعة من قانون 53.95 تعقد المحاكم التجارية ومحاكم الاستئناف  التجارية جلساتها وتصدر أحكامها وهي متركبة من ثلاث قضاة من بينهم رئيس، يساعدهم كاتب ضبط ما لم ينص على خلاف ذلك.

  يتضح هنا مدى الدقة والضبط الذي ارتضاه المشرع لهذا النوع من القضايا التي تتسم بحساسية بالغة لمسها النظام الاقتصادي في الصميم، وكذلك نظرا لضخامة المبالغ المحكوم بها أيضا، كل ذلك أدى إلى استبعاد القضاء الفردي الذي يتسم بكثرة الأخطاء والهفوات كضمانة أخرى للمتقاضين أمام هذا القضاء المتميز.

   وقد تمسك المشرع بهذا المبدأ أمام المحاكم التجارية رغم إعلانه العودة إلى التمسك بالقضاء الفردي أمام المحاكم الابتدائية من خلال التعديلات الأخيرة للتنظيم القضائي والمسطرة المدنية .

   تماشيا مع مبدأ وحدة القضاء الذي يأخذ به المشرع المغربي، فإن قضاة المحاكم التجارية يخضعون جميعا للنظام الأساسي لرجال القضاء بصفة عامة، فيما أخذت بعض الدول بمبدأ ازدواجية القضاء عند إنشاءها للمحاكم التجارية، وذلك بإسنادها مهام القضاء بهذه المحاكم لهيئة قضائية مشكلة من الحرفيين الممارسين[13]، ودولا أخرى مزجت بين القضاة النظاميين والقضاة المنتخبين من بين فئة التجار والمقاولين، في حين أن هناك دول أسست تجربتها في القضاء التجاري، على النظامين معا، وذلك بالأخذ بعين الاعتبار مرحلة التقاضي، حيث يعتمد القضاء المنتخب في تكوين الهيئة لدى المحاكم التجارية من الدرجة الأولى، بينما يسند النظر للقضاة النظاميين في المحاكم التجارية من الدرجة الثانية.

  الملاحظ، هو أن المشرع المغربي لم يجعل التعديل الوارد على المادة الرابعة من قانون التنظيم القضائي المعدلة بمقتضى القانون رقم 34.10، والذي بمقتضاها تمت العودة مرة ثانية إلى تبني نظام القضاء الفردي يشمل أيضا القضاء التجاري ويمتد ليعدل تركيبة هيئته بما يسمح باعتماد هذا النوع من القضاء أيضا لدى المحاكم التجارية، أو الاحتفاظ به بمناسبة نظر نوع معين من القضايا التي تتسم بالبساطة.

  وقد كان لهذا التوجه حالة تبنيه من طرف مشرع 1997، أن يجنّب هذه المحاكم الفتيّة الضغط الناتج عن كثرة القضايا وتراكمها، وخاصة منها تلك المتعلقة بمطالبات ذات القيمة الضئيلة، أو منازعات في بعض القظايا التي لا تحتاج في موضوعها لأكثر من قاضي واحد.

  بالرجوع لمشروع التنظيم القضائي رقم 38.15، نجد المادة 62 نصت على أنه “مع مراعاة الاختصاصات المخولة لرئيس المحكمة بمقتضى نصوص خاصة، تعقد المحاكم التجارية جلساتها وتصدر أحكامها في جلسة علنية، وهي مكونة من ثلاثة قضاة من بينهم الرئيس، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، بمساعدة كاتب للضبط”. والسؤال العريض الذي يطرح نفسه بشدة، وهو لماذا الاستمرار في المراهنة على اختيار القضاء الجماعي للنظر في هذه المنازعات؟ فهل الضمانة المراد منحها للمتقاضي عامة وللمستثمر الأجنبي خاصة تجد ضآلتها في القضاء الجماعي فقط؟

  الأكيد أن استمرار المراهنة على اختيار “القضاء الجماعي”، هو رهان ليس له ما يبرره، في نظرنا، سوى محاولة إعطاء صك تميز أو شهادة اعتراف مسبقة بالجودة التي هي عليها الأحكام الصادرة عن القضاء المغربي، والحال أن هذا المبتغى ليس المتحكم فيه هو عدد أعضاء هيئة الحكم، بقدر ما هو نوعية وجودة تكوينها وصلابة التدريب النظري والعملي لقضاتها[14].

المطلب الثاني: قواعد مسطرة التقاضي

  تعتمد المسطرة أمام المحكمة التجارية بنوعيها  قانون إحداث المحاكم التجارية كأصل عام، في حين يتم الرجوع إلى القواعد العامة المتمثلة في قانون المسطرة المدنية في حالة غياب نص خاص، إذ جاء في الفقرة الثانية من المادة 19 من القانون المحدث لها ما يلي ” كما تطبق أمام المحاكم التجارية ومحاكم الاستئناف التجارية القواعد المقررة في قانون المسطرة المدنية ما لم ينص على خلاف ذلك”، وبذلك فإن تقديم المقال الافتتاحي للدعوى، وكذا المقال الاستئنافي، وإجراءات الاستدعاء، تخضع لقواعد المسطرة المدنية وكذا الشأن بالنسبة لاختصاصات رئيس المحكمة، لكن القانون السالف الذكر أحاط القواعد المسطرية ببعض الخصوصيات، والهادفة أساسا إلى تسريع المسطرة القضائية وجعلها أكثر دقة وفعالية، إن على مستوى المحكمة التجارية (الفقرة الأولى)، أو بخصوص الطعن في هذه الأحكام (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: مسطرة التقاضي أمام المحاكم التجارية

  أولا: قبل النطق بالحكم

   تبتدئ إجراءات التقاضي أمام المحاكم بصفة عامة بما فيها المحاكم التجارية بتقديم

مقال افتتاحي للدعوى (1)، ليتم بعد ذلك تعيين قاض مقرر أو مستشار بالنسبة لمحاكم الإستأناف التجارية(2)، من ضمن التشكيلة الجماعية التي ستبت في الحكم بعد المداولة (3)

 1 تقديم المقال:

   ترفع الدعوى أمام هذه المحاكم بمقال مكتوب وموقع من طرف محام مسجل في هيئة من هيئات المحامين بالمغرب، ويقيد في سجل معد لهذا الغرض لدى كتابة الضبط، مقابل وصل يثبت فيه اسم المدعي وتاريخ إيداع المقال، ورقمه بالسجل وعدد المستندات المرفقة ونوعها، ويودع كاتب الضبط نسخة من هذا الوصل في الملف.

_2 تعين القاضي المقرر وتكليفه بالقضية

  بمجرد تقييد المقال، يعين رئيس المحكمة التجارية حالا ودون تأخير، قاضيا مقررا يحال عليه الملف خلال 24 ساعة، ويتعين على هذا الأخير أن يحدد تاريخ أقرب جلسة تعرض فيها القضية ويستدعي الأطراف، كما يشعرهم بإكمال البيانات غير التامة أو التي وقع إغفالها، وينذر الأطراف بالإدلاء بالنسخ المساوية لعدد الخصوم تحت طائلة عدم القبول.

   غير أن تجهيز القضية يمكن أن يقوم بها القاضي المقرر أو المحكمة التجارية حسب الأحوال وطبقا للمادة 16، فإن القضية إذا لم تكن جاهزة للبت فيها أمكن للمحكمة التجارية أن تؤجلها إلى أقرب جلسة، أو أن ترجعها إلى القاضي المقرر الذي يتعين عليه في جميع الأحوال أن يحيلها من جديد إلى الجلسة داخل أجل لا يتعدى ثلاثة أشهر.

   ويتم استدعاء الأطراف بواسطة مفوض قضائي ما لم تقرر المحكمة توجيه الاستدعاء بالطرق المنصوص عليها في الفصول 37، 38 و39 من ق.م.م كما تم تعديلها بموجب القانون 33ـ11 المنفذ بظهير17 غشت 2011، وأهم ما جاء في هذا التعديل أنه في حالة تعذر العثور على الشخص في موطنه، يتعين على العون المكلف بالتبليغ أن يلصق إشعارا بذلك في موقع ظاهر بمكان التبليغ، وعليه أن يشير إلى ذلك في شهادة التسليم التي ترجع إلى كتابة الضبط (المادة 39 ق.م.م).

   وأثناء سريان المسطرة، قد تجد المحكمة نفسها أمام طلب الضم، ففي هذه الحالة تعمل على تأخير الملف إلى جلسة لاحقة للنظر فيه، وذلك من أجل التثبت من مدى وحدة الأطراف والموضوع والسبب أو الارتباط، وفي حالة الحكم بإجراء خبرة أو بحث أو يمين أو غير ذلك من إجراءات التحقيق التي تأمر بها المحكمة تمهيديا وقبل البت في الجوهر على ضوء الفصل 55 وما بعده من قانون المسطرة المدنية، فإن القاضي المقرر يعمل على تفعيل الإجراء وتتبعه إلى حين استنفاذه فيدرج الملف بجلسة الموضوع.

3 المداولة

   يقصد بالمداولة ” المشاورة بين أعضاء المحكمة في منطوق الحكم وأسبابه بعد انتهاء المرافعة وقبل النطق به”، ويجوز لهيئة الحكم بعد الاختلاء في مكان مغلق فترة من الزمن أن تصدر في نفس اليوم حكمها، أما إذا اعتبرت أن الفصل في القضية والتشاور بشأنها يتطلب تفرغا ووقتا نظرا لتعقد القضية أو كثرة أشغال القضاة، فإنها تقرر إصدار حكمها في يوم لاحق، إلا أنه في بعض المحاكم تتجاوز مداولاتها الأجل المعقول، خصوصا أن المشرع لم يحدد حدا أقصى للوقت الذي تستغرقها المداولة، الأمر الذي يؤثر على مصداقية الأحكام ويجعلها خارج أحكام وضوابط المادة التجارية، وتبعا لذلك حاولت وزارة العدل التصدي لهذا المشكل، بإصدارها عدة مناشير حثت القضاة على عدم تمديد المداولة إلا لأسباب وجيهة ومعقولة، وألا تتعدى أسبوعين على أبعد تقدير، إلا أن الحل ينبغي أن يكون تشريعيا تحت طائلة الجزاء وبصيغة الوجوب.

  بقيت الإشارة إلى أن المشرع أجاز للأطراف طلب إخراج القضية من المداولة، إذا ظهرت وقائع جديدة أو وثائق جديدة لم تطلع عليها المحكمة من قبل.

ثانيا: اجراءات التنفيذ

   نصت المادة 23 من قانون إحداث المحاكم التجارية على أنه “يبلغ عون التنفيذ الطرف المحكوم عليه الحكم المكلف بتنفيذه، ويعذره بأن يفي بما قضى به الحكم أو تعريفه بنواياه وذلك في خلال أجل لا يتعدى عشرة أيام من تاريخ تقديم طلب التنفيذ.

   يتعين على عون التنفيذ تحرير محضر بالحجز التنفيذي أو بيان الأسباب التي حالت دون إنجازه، وذلك خلال 20 يوما تبتدئ من تاريخ انتهاء أجل الإعذار.

  تطبق لدى المحاكم التجارية المقتضيات المتعلقة بالقواعد العامة للتنفيذ الجبري للأحكام الواردة في الباب الثالث من القسم الرابع من المسطرة المدنية ما لم يوجد نص مخالف.”

  وهذه المقتضيات الخاصة بتنفيذ أحكام المحاكم التجارية، تتلاءم ومبدأ تسريع المسطرة أمام المحاكم.

الفقرة الثانية: مسطرة الطعن أمام المحاكم التجارية

  تنقسم طرق الطعن إلى عادية وغير عادية، فأما العادية فتتميز ببساطة إجراءاتها، إذ يمكن بموجبها الطعن في الأحكام لأي سبب كان متعلقا بالواقع أو بالقانون (أولاً)، في حين أن غير العادية تتطلب إجراءات استثنائية، حيث توجه ضد الأحكام الحائزة لحجية الشيء المقضي به التي لم يعد بالإمكان الطعن فيها بالطرق العادية (ثانياً).

  أولاً: طرق الطعن العادية

  1 التعرض:

   تبدأ إجراءات التعرض بتقديم مقال مكتوب موقع عليه من طرف المتعرض أو وكيله، وذلك تماشيا مع المسطرة الكتابية أمام المحاكم التجارية، ويتضمن مقال التعرض الأسماء الشخصية والعائلية وصفة ومهنة وموطن أو محل إقامة المدعي والمدعى عليه، وفي حالة تعدد المدعى عليهم وجب إرفاق المقال بعدد النسخ المعادل لعدد المدعى عليهم، ويترتب على عدم الالتزام بهذا الإجراء عدم قبول التعرض وإن كان المشرع لم ينص صراحة على ذلك[15].

  ويتم إيداع طلب التعرض بكتابة ضبط المحكمة التجارية التي أصدرت الحكم الغيابي ويتم تسجيله في سجل خاص مع بيان أسماء الأطراف وتاريخ الاستدعاء، حيث يتم تبليغ التعرض أمام المحاكم التجارية عن طريق المفوض القضائي أو بالطرق الأخرى المنصوص عليها في ق م م إذا قررت المحكمة ذلك.

  لكن بالنسبة للأحكام الصادرة عن محكمة الموضوع التجارية فقد حددت المادة 6 من ق ا م ت اختصاص هذه الأخيرة في حدود الطلبات التي تتجاوز 20000 درهم، أما بالنسبة للطلبات التي تقل عن هذا المبلغ فهي ترجع إلى المحاكم العادية، ومن تم فإن جميع الأحكام الصادرة عن المحاكم التجارية قابلة للاستئناف، وإعمالا للقاعدة الفقهية التي تقول بأن “باب التعرض يقفل حينما يفتح باب الاستئناف” فإن جميع الأحكام الصادرة عن المحكمة التجارية غير قابلة للتعرض.

  غير أن القرارات الغيابية الصادرة عن محكمة الاستئناف التجارية تقبل الطعن بالتعرض حسب الفصل 352 من ق م م الذي أحال على مقتضيات الفصل 130 من نفس القانون، تكون بذلك القرارات الصادرة غيابيا عن محكمة الاستئناف التجارية قابلة للتعرض داخل أجل 10 أيام من تاريخ التبليغ، أما بالنسبة للقرارات الصادرة عن محكمة النقض فلا تقبل التعرض طبقا للفصل 378 من ق م م.

  واستثناء من ذلك، أجاز المشرع الطعن بالتعرض في الأحكام والقرارات الغيابية الصادرة في القضايا المتعلقة بصعوبات المقاولة حسب المادة 729 من م ت قبل التعديل، إذ أجاز المشرع من خلال هذه المادة التعرض على الأحكام والمقررات الصادرة عن المحكمة التجارية بشأن التسوية والتصفية القضائية وسقوط الأهلية التجارية، وذلك أمام نفس المحكمة مصدرة الحكم المطعون فيه بالتعرض، إضافة إلى إمكانية ممارسة التعرض بتصريح لدى كتابة الضبط خلافا لكتابية المسطرة أمام المحاكم التجارية، استجابة لخصوصيات مساطر صعوبات المقاولة التي تتطلب سرعة أكبر.

  لكن المتعارف عليه حسب المادة 131 من ق م م هو أن الأحكام القابلة للاستئناف غير قابلة للتعرض، وهو ما انتبه له المشرع المغربي في الكتاب الخامس من مدونة التجارة، إذ كانت المادة 729 تنص على أنه “يتم التعرض وتعرض الغير الخارج عن الخصومة ضد المقررات الصادرة بشأن التسوية والتصفية القضائية وسقوط الأهلية التجارية بتصريح لدى كتابة ضبط المحكمة خلال أجل 15 يوما…”الا أنه تم حذف عبارة التعرض من المادة 763 بعد التعديل.

2 الاستئناف:

    يتم الطعن بالاستئناف بتقديم مقال استئنافي متضمن مجموعة من البيانات، وفي حالة إغفال إحدى هذه البيانات يمكن تقديم طلب للمحكمة قصد إصلاح هذا الخطأ باعتباره خطأ ماديا، وهو ما سارت صوبه محكمة الإستئناف التجارية بالدارالبيضاء[16]، ويودع المقال الاستئنافي لدى كتابة ضبط المحكمة التجارية التي أصدرت الحكم المطعون فيه، لتحيله مع ملف القضية على محكمة الاستئناف التجارية المختصة، ليقوم الرئيس الأول بتعيين مستشار مقرر الذي يعهد إليه بالقيام بعملية التحقيق، و يحدد تاريخ الجلسة العلنية التي ستدرج فيها القضية إذا اعتبر القضية جاهزة للحكم.

  ولا يخرج قرار محكمة الاستئناف عن فرضيتين، إما تأكيد الحكم المطعون فيه وإحالته على المحكمة مصدرته للقيام بإجراءات التنفيذ، أو إلغاء هذا الحكم لتقوم بنفسها بإجراءات التنفيذ أو تحيل ذلك على محكمة تختارها من بين محاكم الدرجة الأولى التجارية.

ثانيا: طرق الطعن غير العادية

1 اعادة النظر:

  نظم المشرع هذا النوع من الطعن غير العادي بموجب الفصول من 402 إلى 410 من ق م م، من خلاله يستطيع أحد أطراف الدعوى الطعن في الأحكام الانتهائية غير القابلة للتعرض أو الاستئناف، وذلك أمام نفس المحكمة مصدرة الحكم المطعون فيه، ابتغاء تراجعها عنه والقيام بالتحقيق في القضية من جديد تلافيا لخطأ غير مقصود كان يشوب الحكم المطعون فيه، وقد أورد المشرع المغربي الحالات التي يجوز الطعن فيها بإعادة النظر على سبيل الحصر في الفصل 402 من ق م م.

  ويتم هذا النوع من الطعون بواسطة مقال مكتوب يودع لدى كتابة ضبط المحكمة التجارية، ويجب أن يكون هذا المقال مصحوبا بوصل إيداع مبلغ مساو للغرامة التي يمكن أن يحكم بها طبقا للفصل 407 من ق م م، وتعتبر قواعد الطعن بإعادة النظر أمام المحاكم التجارية هي نفسها المعمول بها أمام المحاكم المدنية بموجب الإحالة الواردة في الفصل 19 من ق ا م ت، وبالتالي فالطعن بإعادة النظر أمام المحاكم التجارية يستلزم توفر شروط تتمثل في:

_وجوب رفع التماس إعادة النظر أمام نفس المحكمة التجارية التي أصدرت الحكم.

_وجوب رفع التماس إعادة النظر داخل أجل 30 يوما من تاريخ التبليغ.

وفي حالة قبول طعن التماس إعادة النظر شكلا ومضمونا، يرجع الأطراف إلى الحالة التي كانوا عليها قبل صدور الحكم، حسب الفصل 408 من ق م م.

 2 تعرض الغير الخارج عن الخصومة:

  يعتبر تعرض الغير الخارج عن الخصومة أحد طرق الطعن غير العادية أقره المشرع لكل من مسه حكم لم يكن طرفا فيه، وذلك بهدف تعديل هذا الحكم، فإذا تم رفض هذا التعرض، أصبح الحكم ملزما لأطرافه وللمتعرض كذلك، إضافة الزام هذا الأخير بأداء مبلغ غرامة وتعويض الطرف الأخر إذا سبب له التعرض ضررا وأداء المصاريف التي يستلزمها هذا التعرض، أما في حالة قبول التعرض فتقوم المحكمة بتعديل الحكم في حدود ما يمس مصالح المتعرض ما لم يكن موضوع الحكم غير قابل للتجزئة، وقد جاء في قرار لمحكمة الإستئناف التجارية بالدار البيضاء أنه “… حيث دفعت المطعون ضدها بكون الطاعنة ليست لها الصفة في تقديم الطعن بتعرض الغير الخارج عن الخصومة، مادام أنها تقر بأنه لا علاقة لها بالمطعون ضدها ولا بشركة…المحكوم عليها، فضلا عن أن ممثلها القانوني هو نفس الممثل القانوني للشركة…وبالتالي فإنها كانت ممثلة بصفة قانونية في الدعوى.

   لكن حيث إن الثابت من شهادة السجل التجاري، أن المركز االجتماعي للطاعنة يوجد عند شركة…وأن كون السيد…هو الممثل القانوني للشركتين المذكورتين لا يعني أن الطاعنة  كانت ممثلة بصفة قانونية في الدعوى”[17].

  وبالتالي يشترط لقبول تعرض الغير الخارج عن الخصومة: أن يمس الحكم بحقوق الغير، ألا يكون المتضرر قد استدعي شخصيا أو بواسطة من ينوب عنه، إضافة إلى شرط ثالث أضافه القضاء وهو عدم كون الدعوى معروضة على المحكمة سواء االبتدائية أو االستئنافية.

   وتبدأ إجراءات الطعن بتعرض الغير الخارج عن الخصومة أمام المحاكم التجارية بتقديم مقال مكتوب موقع عليه من طرف المدعي أو من يمثله متضمنا بعض البيانات المنصوص عليها في المادة 32 من ق م م، إضافة إلى وصل يثبت إيداعه بكتابة الضبط مبلغا مساويا للحد األقصى للغرامة التي يمكن أن يحكم بها، والتي حددها المشرع في المادة 305 من ق م م في 100 درهم بالنسبة للمحاكم االبتدائية، 300 درهم بالنسبة لمحاكم االستئناف، و500 درهم بالنسبة لمحكمة النقض.

3 النقض:

   يعتبر الطعن بالنقض من بين طرق الطعن غير العادية، من خلاله يتم عرض الأحكام الإنتهائية أمام محكمة النقض قصد نقضها لما يشوبها من عيوب قانونية سواء من الناحية الموضوعية أو الإجرائية، وقد اعتبر البعض الطعن بالنقض ذو طبيعة خاصة، لأنه لا يقبل الا في حالات معينة حددها المشرع على سبيل الحصر، ولأنه يختلف عن باقي طرق  الطعن العادية أو غير العادية في عدة أمور[18].

  ويكمن الهدف الأساسي من الطعن بالنقض في عرض الحكم المطعون فيه على محكمة النقض من أجل إلغائه لمخالفته القانون، حيث لا تعتبر محكمة النقض درجة ثالثة من درجات التقاضي، إذ تعمل على البحث في مدى موافقة الحكم المطعون فيه لأحكام القانون أو خروجه عنها، حيث إذا ثبت لها أن الحكم المطعون فيه متفق وأصول القانون شكلا وموضوعا، قضت برد الطعن، وإذا ثبت لها أن الحكم على خالف ذلك قضت بنقض الحكم وإعادة الملف إلى المحكمة التي أصدرته أو إلى محكمة أخرى من نفس الدرجة لتنظر فيه  من جديد وفق الأسس والمبادئ التي تقررها محكمة النقض[19].

 وقد نظم المشرع الطعن بالنقض في الفصول من 353 إلى 401 من ق م م، وقواعد الطعن بالنقض أمام المحاكم التجارية لا تختلف عن القواعد المعمول بها أمام المحاكم العادية المنصوص عليها في قواعد المسطرة المدنية.

   وتجدر اإلشارة إلى أن أسباب الطعن بالنقض محددة على سبيل الحصر في المادة 359، وهي خرق القانون الداخلي أو قاعدة مسطرية أضرت بأحد الأطراف، عدم الإختصاص، الشطط في استعمال السلطة، أو عدم ارتكاز الحكم على أساس قانوني، كما تجدر الإشارة  إلى أن هناك أسباب أخرى من صنع القضاء، تتمثل في تحريف العقود والوثائق[20].

 وقد حدد الفصل 354 من ق م م إجراءات الطعن بالنقض، حيث تبدأ برفع طلب النقض بواسطة مقال مكتوب متضمن بعض البيانات وموقع عليه من طرف أحد المحامين المقبولين للترافع أمام محكمة النقض تحت طائلة التشطيب على المقال، حيث يتم إيداع المقال بكتابة ضبط المحكمة التي أصدرت القرار المطعون فيه ليوجه إلى كتابة ضبط محكمة النقض داخل أجل 30 يوما من تاريخ تبليغ الحكم المطعون فيه إلى الشخص نفسه أو إلى موطنه الحقيقي حسب الفصل 358 من ق م م، إضافة إلى أداء الوجيبة القضائية في نفس الوقت الذي يقدم فيه مقاله.

  ويجب على المطعون ضده تقديم مذكراته الجوابية موقعة من طرف محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض، وذلك حسب الفصل 365 من نفس القانون، غير أن الأحكام والقرارات الصادرة بشأن التسوية أو التصفية القضائية وسقوط الأهلية التجارية تقبل الطعن بالنقض داخل أجل 10 أيام من تاريخ تبليغ القرار حسب المادة 731 من م ت.

   وتجدر الإشارة إلى أنه يترتب على الطعن بالنقض بقاء التنفيذ قائما الا في بعض الحالات الإستثنائية التي حددها المشرع في الفصل 361 من ق م م على سبيل الحصر، وتتمثل هذه الحالات في الأحوال الشخصية، التحفيظ العقاري والزور الفرعي.



خاتمة:

   

   من خلال ألإطلاع على التوجهات الحديثة للمشرع المغربي، نلاحظ أنه أصبح يصب تركيزه كاملا على تشجيع ألإستثمار، الشيء الذي لا يمكن تحقيقه الا من خلال توفير عدالة حقيقية وفعلية من خلال إصالح شامل للجهاز القضائي يرتكز فيه على المصداقية وحسن تطبيق القانون واستقلال السلطة القضائية.

  جاءت تجربة القضاء التجاري بمستجدات إيجابية من شأنها المساهمة في حل مجموعة من المشاكل التي كانت تعترض السير العادي للقضايا بصفة عامة، والقضايا التجارية بصفة خاصة، وذلك سواء قبل البت في ألأحكام أو بعد ذلك، من هذه الإيجابيات يمكن أن نورد سرعة البت في القضايا وتعجيل تنفيذ الأحكام الصادرة عن هذا النوع من المحاكم.

   إن الحديث عن إي إصالح شمولي لمنظومة القضاء في المغرب، سوف لن يكتب له الكمال والنجاح، إن تم بمعزل عن إصالح القضاء المتخصص، وتقويم تجربته في نموذج القضاء التجاري.

   كذلك مسار الإصلاح يمر لزوما عبر بوابات الإصلاح الثلاث التي اقترحها الباحثون والمهتمون بالشأن القانوني، وهي الثلاثية المقدسة، القاضي الكفئ، والنص الجيّد، والمحكمة القريبة، عندها يمكن لمشروع إصالح القضاء التجاري، وعبره مراجعة التنظيم القضائي للمملكة، أن يحقق مبدأي الإستقرار القضائي والتوقع القانوني، وحينها فقط يمكن للقضاء التجاري، أن يوطد الثقة والمصداقية في قضاء فعّال ومنصف، باعتباره حصنا منيعا لدولة الحق، وعمادا للأمن القضائي، والحكامة الجيّدة، ومحفّزا للتنمية بالبلاد.


لائحة المراجع:

1 كتب عامة:

د. نزهة الخلدي. الموجز في النظرية العامة للإلتزام. الكتاب الأول. الطبعة الثانية 2015. مطبعة تطوان

د.محمد بنحساين. القانون التجاري. طبعة 2015 مطبعة طوب بريس

د.عبد الكريم الطالب. الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية. الطبعة الخامسة سنة2009. المطبعة و الوراقة الوطنية  مراكش

2 كتب خاصة:

د.ة, زهيرة فنتير. محاضرات في التنظيم القضائي المغربي الطبعة الأولى 2017 دون ذكر المطبعة

د. البشير عدي. الوجيز في التنظيم القضائي المغربي. الطبعة الثانية 2020 مطبعة الإقتصاد

د.عبد الكريم الطالب. التنظيم القضائي المغربي. دون ذكر الطبعة و المطبعة

د.محمد بنحساين. التنظيم القضائي المغربي. مطبعة الأمنية الرباط

عبد العزيز توفيق. شرح قانون المسطرة المدنية و التنظيم القضائي. سلسلة المكتبة القانونية4.  الجزء الأول.  سنة 1995. مطبعة النجاح الدار البيضاء

موسى عبود ومحمد السماحي. المختصر في المسطرة المدنية والتنظيم القضائي. مطبعة الصومعة.  1994

د.عبد العزيز حضري. القانون القضائي الخاص. الطبعة الثالثة، بدون ذكر المطبعة. 2002

3 الرسائل والأطروحات:

جهير توفيق. إجراءات التقاضي أمام المحاكم التجارية. رسالة لنيل دبلوم الماستر في الفانون الخاص. جامعة الحسن الأول. كلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية. سطات .2016/2015   

4 المجلات:

الاختصاص النوعي بقلم الأستاذة حليمة لمغاري منتدبة قضائية إقليمية بالمحكمة الابتدائية بالدارالبيضاء منشور في مجلة البحوث العدد العاشر

5 المقالات:

مولاي حفيظ علوي قاديري. تجربة القضاء التجاري بالمغرب. مقال منشور بجريدة الكترونية “القانونية”

6 مواقع الكترونية:

تنظيم-وإختصاصات-المحاكم-التجارية . منشور في موقع الكتروني http://www.labodroit.com

عرض في موضوع المحاكم التجارية بالمغرب ” تأليفها واختصاصها و المساطر المتبعة فيها “ موقع الكتروني https://www.droitetentreprise.com

عبد اللطيف الشنتوف قراءة-أولية-عامة-في-قانون-التنظيم-القضائيز موقع الكتروني: https:

//legal-agenda.com

من إعداد الطالب الباحث: مدونة comeers 

ماستر: المهن القانونية والقضائية

الفوج: الثامن


[1]  محمد بنحساين. التنظيم القضائي المغربي. مط. الأمنية.الرباط. ص 11

[2]   الاختصاص النوعي بقلم الأستاذة حليمة لمغاري منتدبة قضائية إقليمية بالمحكمة الابتدائية بالدارالبيضاء منشور في مجلة البحوث العدد العاشر

[3] عبد العزيز توفيق, شرح قانون المسطرة المدنية و التنظيم القضائي, سلسلة المكتبة القانونية4 , الجزء الأول, سنة 1995, مط. النجاح البيضاء, ص128

[4]  عبد الكريم الطالب, الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية, الطبعة الخامسة, سنة2009, المطبعة و الوراقة الوطنية, مراكش .ص78

[5]   د. البشير عدي. الوجيز في التنظيم القضائي المغربي م.س ص 133

[6]  د. البشير عدي. الوجيز في التنظيم القضائي المغربي م.س ص 134

[7]  ظهير شريف رقم 101 -08-1 صادر في 20 من شوال 1429) 20 أكتوبر 2008 (بتنفيذ القانون رقم 28-08المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة. الجريدة الرسمية رقم 5680 الصادرة يوم الخميس 6 نونبر2008

[8]  القانون رقم 73.17 بنسخ وتعويض الكتاب الخامس من القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، فيما يخص مساطر صعوبات المقاولة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.18.26 بتاريخ 2 شعبان 1439 (19 أبريل 2018)، الجريدة الرسمية عدد 6667 بتاريخ 6 شعبان 1439 (23 أبريل 2018)، ص 2345

[9] قرار صادر عن محكمة النقض بتاريخ 2018/03/01 في الملف التجاري رقم 2017/1/3/2198، أشار إليه علال فالي، التعليق على قانون  مساطر صعوبات المقاولة على ضوء 20 سنة من القضاء التجاري، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2018، الطبعة الأولى، ص 493

[10]  الحسن بوقين، إجراءات التبليغ فقها وقانونا، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2002، ص2.

[11]  عبد الكريم الطالب، الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية، المطبعة والوراقة الوطنية، الطبعة الخامسة، 2008، ص61.

[12]  قرار صادر عن محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء رقم 2788 بتاريخ 2013/05/20، أشار إليه جهير توفيق، إجراءات التقاضي أمام المحاكم التجارية، رسالة لنيل دبلوم الماستر في الفانون الخاص، جامعة الحسن الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، سطات، 2016/2015، ص20.

[13]  ونموذجها النظام القضائي الفرنسي الذي تتشكل محاكمه التجارية من قضاة منتخبين من بين التجار يمارسون اختصاصهم بشكل تطوعي,

[14]  مولاي حفيظ علوي قاديري. تجربة القضاء التجاري بالمغرب. مقال منشور بجريدة الكترونية “القانونية” تاريخ الإطلاع 07/02/2022 13:30

[15] عبد الكريم الطالب، الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية. م.س. ص260

[16]  قرار صادر عن محكمة الاستناف التجارية بالدار البيضاء، رقم 2827 بتاريخ 2013/05/21 ملف عدد 8/2013/1875. أشار إليه جهيرتوفيق، مرجع سابق، ص 78.

[17]  قرار صادر عن محكمة االإستئناف التجارية بالدار البيضاء، قرار رقم 3824 ،صادر بتاريخ 15/07/2013 ،في ملف عدد  5182/2012/7.غير منشور. أشار إليه جهير توفيق، مرجع سابق، ص 90.

[18]  موسى عبود ومحمد السماحي، المختصر في المسطرة المدنية والتنظيم القضائي، مطبعة الصومعة، 1994 ،ص178

[19]  عبد العزيز حضري، القانون القضائي الخاص، الطبعة الثالثة، بدون ذكر المطبعة والجزء، 2002 ،ص149.  

[20] عبد العزيز حضري. القانون القضائي الخاص. م.س. ص 245

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى