الرقابة القضائية حول تقدير جسامة الخطأ في قانون الشغل

 الرقابة القضائية حول تقدير جسامة الخطأ:

   إذا كان من حق المشغل إثبات ارتكاب الأجير للخطأ الجسيم بكافة وسائل الاثبات المتاحة قانونا، فإن للمحكمة بعد التأكد من الوجود المادي للخطأ المنسوب للأجير الحق في إعطاء التكييف الصحيح لهذه الأفعال و تقدير جسامتها، والتكييف القانوني كنشاط قانوني يمارسه قاضي الموضوع تحت رقابة محكمة النقض، غير أن الرقابة التي يمارسها القضاء على سلطة المشغل في تقدير الأخطاء المنصوص عليها قانونا (اولا)، تختلف عن الرقابة في حالة كون الأخطاء المنسوبة للأجير غير منصوص عليها في مدونة الشغل) ثانيا)، خصوصا وأن المشرع أورد الأخطاء الجسيمة التي قد يرتكبها الأجير في المادة 39        من مدونة الشغل على سبيل المثال وليس الحصر.

أولا: التكييف القانوني للأخطاء المنصوص عليها تشريعيا

   إذا تعلق الأمر بخطأ تأديبي منصوص عليه في مدونة الشغل، فإن للقاضي السلطة في تكييف تلك الأخطاء غير أن سلطته تكون ظيقة  وجد محدودة، ومع ذلك فسلطة المحكمة تبقى مقيدة أمام الوصف الذي يعطيه المشغل للخطأ، حيت يسوغ لها إعمال سلطتها التقديرية من خلال تدخل القاضي لاعطاء التفسير الصحيح للنص القانوني، كما أن الظروف المحيطة بارتكاب الأجير للخطأ الجسيم المنصوص عليه قانونا قد تدفع القاضي إلى إبعاد صفة الجسامة عن الفعل المنسوب للأجير رغم كونه مدرجا ضمن لائحة الأخطاء الجسيمة[1].

   ونجد في هذا الشق العديد من القرارات القضائية الصادرة عن محكمة النقض التي تكرس الرقابة التي يقوم بها القاضي في تكييفه للأخطاء التي ينسبها المشغل للأجير، ونورد هنا قرار صادر عن الغرفة الاجتماعية بمحكمة النقض[2] جاء فيه بأن ” تأسيس  الأجير لجمعية رياضية لفائدة تلامذة المدرسة المشغلة ومدارس أخرى، و ما دام هذا النشاط يختلف عن نشاط المشغلة فإنه لا يشكل منافسة غير مشروعة تبرر فصله من عمله وجاء كذلك في قرار أخر لنفس الغرفة بنفس المحكمة بأنه ” لما كان الثابت من تصريحات الشهود المستمع إليهم أن الأجيرة قد دخلت إلى مختبر المشغلة بدون إذن، و أنها قامت بنسخ بعض الوثائق كما اطلعت على بعض البيانات، فإن هذه الأفعال وإن كانت تدخل في إطار إفشاء السر المهني فإنها لا تعتبر خطأ جسيما في ظل عدم ثبوت حصول الضرر للمشغلة من جراء ذلك[3].

   و بذلك تختلف رقابة القضاء في مدى اعتبار الخطأ المنسوب للأجير جسيما في الحالات المنصوص عليها تشريعا بإعطائه التكييف الصحيح، و ذلك حسب ظروف كل قضية على حدة.

ثانيا: التكييف القانوني للأخطاء غير المنصوص عليها تشريعيا

   كما هو معلوم  فمدونة الشغل حددت الأخطاء الجسيمة على سبيل المثال في المادة [4]39، وتبقى للمشغل في نطاق سلطته الوظيفية المتجلية في حقه في تسيير وإدارة مقاولته بما يحقق استمراريتها وتزايد نشاطها الحق في تضمين النظام الداخلي للمقاولة بعض الأخطاء التي قد تؤدي إلى فصل الأجير في حالة ارتكاب أحدها، لذلك فرقابة القضاء في هذا الاطار تكون صعبة مقارنة مع الرقابة في حالة ما إذا تعلق الأمر بالأخطار المنصوص عليها في مدونة الشغل[5]، ويعمل القاضي على تكييف الوقائع و تقريبها من الظروف المصاحبة لها أو من نية طرفي النزاع، حيت يبحث عن السبب الحقيقي للفصل مع الالمام بالظروف المؤدية إلى ارتكابه و مدى مساهمة المشغل فيه، ليتولى بعد ذلك التأكد من جدية هذا السبب و خطورته.

   وفي إطار غياب معيار واضح وشامل لتحديد مدى جسامة الخطأ من غيره، فإنه من خلال بعض الأحكام والقرارات القضائية، نجدها كرست بعض المعايير المعتمدة لتقدير جسامة الخطأ[6]، ومن هذه المعايير نجد:

_ معيار الأقدمية وظروف الأجير:

  بالرجوع للمادة 42 من مدونة الشغل نجدها خولت السلطة التقديرية للقضاء من أجل مراقبة القرارات التأديبية التي يتخذها المشغل في حق أجرائه، ونجد بعض المحاكم تستند على معيار أقدمية الأجير وظروفه من أجل نفي صفة الخطأ الجسيم عن الفعل المنسوب إليه وقد جاء في أحد قرارات محكمة النقض أنإجبار المشغل أجيره على خلع ما يغطي به رأسه للاذن له بولوج مكان العمل رغم إثبات هذا الأخير أن حالته الصحية تفرض عليه عدم ترك رأسه عاريا فيه مساس بسالمته البدنية، و لا يعد عدم امتثال الأجير لأمر مشغله بهذا الخصوص إخلال بواجبه، وإذا ما أصر المشغل على منع الأجير من الالتحاق بعمله إذا لم يخلع القبعة فإن ذلك يشكل طردا تعسفيا  يرتب مسؤوليته[7]

_ معيار مساهمة المشغل في الخطأ الجسيم:

  ورد في احدى القرارات الصادر عن الغرفة الاجتماعية بمحكمة النقض على أنه لما كانت مغادرة الأجير لعمله ترجع للاعتداء الذي تعرض له من قبل مشغله بالضرب والسب والشتم والذي أدين من أجلهما بمقتضى حكم جنحي ، فإن هذه المغادرة تعتبر بمثابة طرد يستحق عنه التعويضات المخولة قانونا[8]

_ معيار حسن سلوك الأجير :

    في بعض الأحيان قد يستند القضاء على سلوك الأجير في إضفاء أو إبعاد صفة الجسامة عن الخطأ المنسوب له، وهذا ما أشار إليه قضاء المجلس الأعلى في احدى قراراته الذي أيد فيه ما ذهب إليه القرار الاستئنافي، بكون ما قام به الأجير لا يرقى إلى درجة الخطأ الجسيم الذي يستوجب الفصل، خصوصا مع إفادة ممثل الشركة بأن الأجير لم يسبق له أن  تنازع مع الادارة[9].

   ونرى بأن توجه القضاء على هذا النحو، تقتضيه قواعد العدل والانصاف، ذلك أن الأجير الذي عرف بحسن سلوكه طيلة حياته المهنية، وحصل أن ارتكب خطأ مهنيا، فلا يسوغ طرده بسبب هذا الخطأ، إذا لم يرتب ضررا كبيرا للمقاولة ، طالما أن سلوكه القويم يمكن أن يشفع له ويعفيه من المتابعة.

  ختاما أشير إلى أن هذه المعايير المذكورة أعلاه، غير ثابتة فأحيانا يتم اعتمادها، وأحيانا يتم استبعادها، وهذا ما يدفع إلى القول بأن وضع معايير إطارية، أصبح ضرورة ملحة، للتخفيف من الاختلاف بين المحاكم في تقدير جسامة الأخطاء الصادرة عن الأجراء، ولتذليل الصعوبات التي تعترض محاكم الموضوع في هذا الاطار .

  ولا تقتصر رقابة القضاء على التأكد من وجود الخطأ التأديبي و تكييفه، وإنما تتجاوز ذلك إلى حد إعمال رقابتها لمعرفة مدى ملائمة الجزاء التأديبي الذي يتخذه المشغل للأخطاء المنسوبة إلى الأجير، ذلك ما سنحاول تناوله في المطلب الثاني.



[1] عبد القادر بوبكري ، حدود السلطة التأديبية للمشغل في ضوء مدونة الشغل  والعمل القضائي –دراسة مقارنة- مطبعة دار القلم بالرباط ، الطبعة الأولى 2016، ص:149-.150  

[2]  قرار صادر عن محكمة النقض عدد 93 الصادر بتاريخ 17/01/2013 في الملف الاجتماعي عدد : 371/5/2/2012 .غير منشور . أشار له محمد سعد جرندي في كتاب الدليل العملي لمدونة الشغل ، ص:237.

[3]  قرار صادر عن محكمة النقض عدد 1035 الصادر بتاريخ : 08/09/2011 في الملف الاجتماعي عدد 999/5/1/2009 .غير منشور .أشار له  محمد سعد جرندي في كتاب الدليل العملي لمدونة الشغل ، مرجع سابق ،ص:249.

[4]  تعتبر بمثابة أخطاء جسيمة يمكن أن تؤدي إلى الفصل، الأخطاء التالية المرتكبة من طرف الأجير: – ارتكاب جنحة ماسة بالشرف، أو الأمانة، أو الأداب العامة، صدر بشأنها حكم نهائي وسالب للحرية. – إفشاء سر مهني نتج عنه ضرر للمقاولة ؛ ارتكاب الأفعال التالية  داخل المؤسسة أو أثناء الشغل: – السرقة؛ خيانة الأمانة؛ السكر العلني ؛ تعاطي مادة مخدرة ؛ الاعتداء بالضرب ؛ السب الفادح ؛ رفض إنجاز شغل من اختصاصه عمدا وبدون مبرر؛ التغيب بدون مبرر لأكثر من أربعة أيام أو ثمانية أنصاف يوم خلال الاثني عشر شهرا ؛ إلحاق ضرر جسيم بالتجهيزات أو الآلات أو المواد الأولية عمدا أو نتيجة إهمال فادح ؛ ارتكاب خطأ نشأت عنه خسارة مادية جسيمة للمشغل ؛ عدم مراعاة التعليمات الازم اتباعها لحفظ السلامة في الشغل وسالمة المؤسسة ترتبت عنها خسارة جسيمة ؛ التحريض على الفساد؛ استعمال أي نوع من أنواع العنف والاعتداء البدني الموجه ضد أجير أو المشغل أو من ينوب عنه لعرقلة سير المقاولة .

[5]   رضوان معني ، الرقابة القضائية على إنهاء عقد الشغل غبر محدد المدة بإرادة منفردة ص :35-36

[6]   عبد القادر بوبكري ، حدود السلطة التأديبية للمشغل في ضوء مدونة الشغل، والعمل القضائي– دراسة مقارنة مرجع سابق ، ص: 153 إلى 158

[7]  قرار صادر عن محكمة النقض عدد 165 الصادر بتاريخ 18/04/2010 في الملف الاجتماعي عدد: 454/5/4/2009 .  قرار منشور بمجلة   قرارات المجلس الأعلى المتخصص الغرفة الاجتماعية رقم 7 ، سنة 2011 ،ص:41

[8]  قرار صادر عن محكمة النقض عدد 882 الصادر بتاريخ: 16-05-2010 في الملف الاجتماعي عدد 586/5/1/2010 . غير منشور أشار له محمد سعد جرندي في كتاب الدليل العملي لمدونة الشغل ، مرجع سابق ،ص:253

[9]  قرار المجلس الأعلى عدد 159 الصادر بتاريخ 11/16/3116 ، في الملف الاجتماعي عدد 1365/3/ ، أورده عبد القادر بوبكري حدود السلطة التأديية للمشغل على ضوء مدونة الشغل والعمل القضائي دراسة مقارنة مرجع سابق، ص 33

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى