تقديم لمدونة الأسرة 70.03

 تقديم لمدونة الأسرة 70.03:

  تعد الأسرة أفضل وأرقى ما أنتجته الحضارة الاجتماعية والإسلامية، والعامل الأساسي لبناء مجتمع مزدهر، والتي لا تتأتى إلا بالزواج الذي يعد الطريق الشريف الذي اختاره الله عز وجل للحفاظ على النوع الإنساني، منذ خلق أدام وحواء وذلك في ظل نظام محكم بضوابط ثابتة، لأن ترك الأسرة بدون نظام يترتب عليه من المفاسد ما لا يحصى، ولو وجدت ذرية لا تعرف لها أصل ولا نسب لتفكك المجتمع، وقد إعتنى الإسلام بالأسرة عناية فائقة وأولاها ما تستحق من الإهتمام ويتجلى ذلك في الآيات القرآنية العديدة، والأحاديث النبوية الشريفة الكثيرة العدد التـي تـنـظـم هـذه الناحيـة الحيوية من الحياة الإنسانية ومن تلك الآيات والأحاديث أقـام فقهـاء الإسـلام مـن مختلـف المذاهب نظاما دقيقا للأسرة يقوم على أساس العدل والمساواة بين الرجل و المرأة، وقد عرف التشريع الأسري المغربي ثلاث مراحل مهمة، مرحلة ما قبل الاستعمار ومرحلة الاستعمار ثم مرحلة الاستقلال، وبالتالي كان لابد من الوقوف عـلى هـذا التطور التشريعي الذي حمل في طياته مجموعة من المتغيرات بفعل تطور المجتمع.

قبل فرض الحماية الأجنبية كانو المغاربة يلتزمون بالمذهب المالكي الراجح منه والمشهور في عبادتهم ومعاملاتهم، والذي يجد أصوله في المبادئ الإسلامية المتمثلة في الكتاب والسنة وإحماع الأمة، وكان القضاء في المغرب قضاء فرديا، حيث كانت الأحكام تصدر إبتدائيا وإنتهائا.

وفي مجال الأحوال الشخصية فقد أنشأت في عهد الملك محمد الخامس رحمه الله، المحاكم الشرعية، وتم تعيين القضاة الذين تخصصوا في العلوم الشرعية وأحكام المنازعات التي تستقي أحكامها من مصادر التشريع الإسلامي وفق المذهب المالكي، کما كان إلى جانب المذهب المالكي، أحكام الشريعة اليهودية بالنسبة لليهود المغاربة.

وبعد بسط الحماية الفرنسية على المغرب سنة 30.03.1912، أصبح الفقه يطبق فقط في مجال ألأسرة، بعدما فرض المستعمر قوانين جديدة على المغاربة من أجل تقليص إختصاصات القضاء الشرعي الإسلامي.

في إطار تقنين الأحكام الشرعية في المغرب غداة استقلاله من الاستعمار، أحدث المغفور له الملك محمد الخامس لجنة لوضع مدونة لأحكام الفقه الإسلامي على شكل كتب تصدر تباعا، عددها ستة، وهي الزواج والطلاق، الولادة ونتائجها، والوصية ثم الميراث، بموجب ظهير شريف رقم 190-57-1 المؤرخ ب 22 محرم 1377 موافق 19 غشت 1957، كان على رأسها الأستاذ علال الفاسي.

وذيل كل من الكتاب الثاني والرابع والخامس والسادس بفصل ينص على أن “كل ما لم يشمله هذا القانون يرجع فيه إلى الراجح أو المرجوح أو ما جرى به العمل من مذهب الإمام مالك” .

واستمر العمل بها على الوجه الذي خرجت عليه أول مرة مدة 36 سنة، وخضعت لبعض التعديلات في عهد الملك الحسن الثاني بتاريخ 10 سبتمبر 1993، بعد تحركات نسائية من أجل إدخال تعديلات على المدونة، كان من نتائج ذلك اشتراط تقديم شهادة طبية تثبت سلامة الخطيبين من الأمراض المعدية عند كتابة عقد الزواج، وعدم الترخيص بالتعدد إلا بعد إعلام الزوجة لتكون بالخيار مع يسار الزوج نسبيا حتى يستطيع إنشاء بيت زوجية آخر، وإنشاء مجلس للصلح، يسهر عليه القاضي[1]، ويثبت في محضر رسمي، ويتم مرتين للتوفيق بين الزوجين عند طلب الطلاق، غير أن هذه الأخيرة لم تستسغ هذه التعديلات التي لم تحقق أغلب متطلباتها وعبرت عن إستيائها منها.

وأملا في إيجاد مدونة قادرة على استيعاب الواقع الجديد للمرأة المغربية ومؤسسة للعلاقة المتكافئة بين الرجل و المرأة تأسيسا على المرجعية الإسلامية إلى جانب المرجعية الدولية المتمثلة أساسا في المواثيق والاتفاقيات الدولية المتعلقة بالمرأة، قرر الملك محمد السادس إعـادة النظـر بشكل جذري في مدونة الأحوال الشخصية، مستغلين التغييرات الجوهرية التي تعرفها وضعية المرأة مـن تحسن في جوانب أخرى داخل المجتمع المغربي، ومن بينها مشروع خطة العمل الوطنية لإدماج المرأة في التنمية في مارس 1995، وكذلك مسيرتي الرباط والـدار البيضـاء يـوم 12 مـارس 2000 اللتان أفرزتا اتجاهين منفصلتين الأولى مع الخطة والثانية ضدها، فكان التحكيم أخيرا لجلالة الملك محمد السادس.

بتاريخ 2001 بادر جلالة الملك محمد السادس الى تشكيل لجنة لإعادة النضر في مقتضيات مدونة الأحوال الشخصية تنبني على إحترام أحكام الشريعة الإسلامية مع مراعات المستجدات التي يعيشها المغرب، وبتاريخ10 أكتوبر 2003 تم عرض مشرع أولي لمدونة الأسرة، وتم المصادقة على هذا المشروع سنة 2004 بعد عرضه على البرلمان وصدر بالجريدة الرسمية تحت قانون 70.03، وتحتوي مدونة الأسرة على 400 مادة موزعة علي سبعة كتب تتعلق بالزواج، وبالنحلال ميثاق العلاقة الزوجية، وبالولادة ونتائجها، وبالأهلية والنيابة الشرعية، وبالوصية، وبالميراث.

وتتجلى أهمية مدونة الأسرى في حماية المرأة وضمان حقوق الطفل وبالتالي حماية الأسرة، وتسري أحكامها طبقا للمدة 2 على : جميع المغاربة و لو كانوا حاملين لجنسية أخرى، اللاجئين بمن فيهم عديمو الجنسية، العلاقات التي يكون فيها أحد الطرفين مغربيا، العلاقات التي تكون بين مغربيين أحدهما مسلم، أما اليهود المغاربة فتسري عليهم قواعد الأحوال الشخصية العبرية المغربية، وكما هو معلوم فالأسرة تعتبر من النضام العام وأي مساس بها يع مساسا بالمجمع بكامله، وقد نصت المادة 03 صراحتا على إدخال النيابة العامة كطرف أصلي في جميع الدعاوى الرامية الى تطبيق لأحكام هذه المدونة.

ونظرا لهذه الأهمية المحاطة بالأسرة بإعتبارها الأساس الذي تنبني عليه المجتمعات، ولكون المرأة نصف المجتمع كما يقال والأطفال هم عماد الدولة ومستقبلها وأي مساس بهؤلاء هو مساس بالمجتمع ككل، يمكن طرح الإشكالية التالية:

الى أي حد إستطاع المشرع المغربي من خلال إصداره لمدونة الأسرة والقوانين ذات الصلة بقانون الأسرة أن يحيط بجميع المشاكل التي كانت تتخبط بالأسرة فيما مضى؟ وهل تمكن من خلالها حماية الطفل والمرأة بإعتبارهم الطرف الضعيف؟



[1]  سابقا كان يتولى العدول مهمة الإصلاح بين الزوجين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى