الإغتراب السياسي والمشاركة الإنتخابية

 الإغتراب السياسي والمشاركة الإنتخابية

من إعداد: أولاد الحاج محمد
طالب باحث بسلك ماستر الحكامة وسياسة الجماعات الترابية


تقديم:

   إن الحديث عن المشاركة الانتخابية كمفهوم  هو الحديث عن الفعل الذي يستمد شرعيته من الدستور المغربي لسنة 2011، و المشاركة الانتخابية هي الفعل الذي لا محيد عنه من أجل جعل نظام سياسي معين نظام ديمقراطي، حيث تمكن هذه المشاركة من جعل الأفراد يختارون من ينوب عنهم، كما يمكن اعتبار المشاركة الانتخابية هي عقاب شعبي لحزب أو شخص نتيجة فشله في تسير الشأن العام، إن المشاركة الانتخابية تبقى من أهم وسائل المشاركة السياسية ، قد تعاني في بعض الأحيان من ظاهرة العزوف، التي هي امتناع الفرد عن المشاركة في الأقتراع، لكن قد لايكون العزوف الانتخابي بنفس خطورة الاغتراب السياسي  على المشاركة الانتخابية  و الذي هو إحساس المواطن بالغربة عن حكومته بصفة خاصة و عن النظام السياسي ابحاكم بصفة عامة.
أهمية الموضوع :
   تتجلى أهمية موضوع الاغتراب السياسي و المشاركة  الانتخابية في محاولة فهم مدى تأثير ظاهرة الاغتراب السياسي على المشاركة الانتخابية. كذلك محاولة التعرف على الأسباب التي تؤدي بالمواطن المغربي إلى تبني الاغتراب السياسي كردة فعل على عدم الرضى.
مشكلة الموضوع:
   بالنظر الى تواجد ظاهرة الاغتراب السياسي بنسبة  مخيفة في المجتمع المغربي فإننا نطرح الإشكال التالي:
مامدى تأثير الاغتراب السياسي على المشاركة الانتخابية؟
– ولتوضيح هذا الاشكال فإننا نطرح الأسئلة التالية:
– ماهو الأغتراب السياسي ؟ أسبابه ؟ نتائجه؟
– ماهي المشاركة الانتخابية؟
– هل الاغتراب السياسي في حالة تراجع أم توسع داخل المجتمع المغربي بعد دستور 2011 ؟
صعوبة الموضوع:
– عدم القدرة على الوصول إلى المجتمع البحث .
– عدم امتلاك مراجع احصائية دقيقة لها علاقة بالموضوع .
خطة البحث:
   يمكن تحديد خطة البحث في هذا الموضوع من خلال حصرها في مجالين :
-المجال الزماني: بعد دستور 2011.
-المجال المكاني: المملكة المغربية.

المبحث الأول : الاغتراب السياسي أسبابه و نتائجه.

   إن الاغتراب السياسي كظاهرة تحتاج لدراسة دقيقة  فإنه من الضروري أخذ بأسباب هذا الاغتراب و كذلك محاولة تحليل نتائجه.

المطلب الاول :أسباب الاغتراب السياسي في المغرب.

   إن اغتراب المواطنين و اللامبالاة التي يتسمون بها ليست صفة لصيقة و أصلية في شخصيتهم بل هي  نتيجة  ظروف محيطة بهم ، إن إحساس المواطن بالاغتراب من الناحية السياسية هو نتيجة لمجموعة من العوامل و أزمات  عديدة :
• أزمة الحريات : تعني الحرية قدرة الشخص على التفكير و التعبير عن توجهه السياسي، و تعتبر الحرية السياسية أساس قيام الديمقراطية، كما تعني الحرية السياسية حرية الفرد في نقد الحكم و مراقبته في إطار النظم السارية.
   و مما لا جدال  فيه أن دستور 2011 قد خصص الباب الثاني للحديث عن الحريات و الحقوق الأساسية للمواطن المغربي، وذلك من الفصل 19 إلى الفصل 40 .
   إن التضيق على هذه الحريات أو التقليص منها قد تكون السبب الرئيسي الذي يودي بالشخص إلى تبني الاغتراب السياسي.
• أزمة الديمقراطية : إن الديمقراطية هي أسلوب حكم مبني على احترام المشاركة السياسية للمواطنين و بالتالي فهي إرادة الأغلبية . وقد جاء دستور 2011 في المغرب كإجابة و استجابة لمطالب حركة 20 فبراير، حيث حاول المغرب من خلالها السير في طريق الانتقال الديمقراطي من جديد، وذلك بعد فشل المحاولة الأولى (1998-2002) وهي الفترة التي وصلت فيها أحزاب المعارضة إلى الحكومة، وشكلت ما يعرف أنذالك بحكومة التناوب.إن أزمة الديمقراطية في أي بلد قد تجعل الأنسان يختار الاغتراب عوض المشاركة في الحياة السياسة للبلاد من أجل الرقي بالديمقراطية و التي هي  في أصل تعاني من أزمة .
• -أزمة المجتمع المدني : يمكن اعتبار المجتمع المدني هو عبارة عن وسيط بين المجتمع و السلطة الحاكمة، وهو يكتسي طابع التطوع. في هذا الصدد و بعد مايقارب سنة من صدور دستور 2011، صرح الوزير الحبيب الشوباني المكلف بالعلاقات مع البرلمان و المجتمع المدني أنذاك أن من أصل سبعين ألف جمعية محلية و جهوية و وطنية، فإن أقل من %10 منها يحصل على أكثر من %80 من المنحة السنوية المخصصة للجمعيات و التي تقدر في حدود تسعة مليارات سنتيم، بالإضافة إلى أن أزيد من %97 من هذه الجمعيات لا تقدم أي وثيقة رسمية عن مصاريفها و أعمالها .
   استنادا إلى هذا التصريح يمكن الحسم في نتيجة مفادها أن المجتمع المدني لا يقدم الخدمات و المهام التي يجب عليه أن يقدمها، إذن نحن أمام أزمة المجتمع المدني التي يمكن القول على أنها تساهم في إنتشار الاغتراب السياسي لدى المواطن المغربي .
   إلى جانب أزمة المجتمع المدني نجد أزمة أخرى هي في مسؤولية الأحزاب السياسية و ذلك لعدم تطبيقها بصورة جيدة مقتضيات الفصل 7 من الدستور خصوصا الفقرة الأولى منه، حيث تعتبر الأحزاب السياسية حجر الزاوية في تأطير المشاركة السياسية و تفعيلها و ربط الجسور و خلق الترابط و الاتصال بين مختلف الشرائح الاجتماعية.

المطلب الثاني : نتائج الاغتراب السياسي.

   حسب  هيجل إن نتائج الاغتراب المترتبة على عملية الاغتراب هي “الانفصال”، وتكمن نتائج الاغتراب السياسي في العديد من النقط .
• الانسحاب و اللامواجهة : عند وصول المواطن إلى نقطة يرى عبرها استحالة تغير الواقع أو تغيير التوجه السياسي لوطنه، فإنه سينسحب ويهرب من الحياة السياسية وفق طرق، وتبعا للظروف و الاختيارات المتاحة  وطبيعة المجتمع أو الأنظمة أو المؤسسات للتخلص من الاغتراب و العجز الذي يعانيه .
• الخضوع و الاستسلام : ان استسلام من النتائج المباشرة للاغتراب فعند استحالة الهروب من الواقع الذي كان السبب في الاغتراب يبقى الاستسلام و الرضوخ هو الحل ظاهريا مع الشعور بالإحباط.
• التمرد: قد لا يكون المغترب في بعض الأحيان منعزل كل الانعزال عن الواقع السياسي، بل قد يكون يعمل ضمن حركات اجتماعية سياسية ظاهرة أو سرية الغاية منها تغير الوضع و التوجه السياسي السائد و بالتالي ينتج لنا انتفاضات، ثورات، انقلابات، و في المغرب و بعد صدور دستور 2011 و الذي كان نتيجة واستجابة  للاحتجاجات 20 فبراير، تواصلت الاحتجاجات بوتيرة أقل من احتجاجات 20 فبراير و في مناطق أقل، حيث واصلت التنديد بالواقع السياسي، وتطالب بالإصلاح و القطع مع السياسات الغير النافعة بصفة نهائية .

المبحث الثاني : المشاركة الانتخابية في المغرب بعد دستور 2011 و علاقتها بالاغتراب السياسي.

   تعتبر المشاركة الانتخابية  من بين أبرز مظاهر المشاركة السياسية، وهو حق يضمنه دستور 2011 في الفصل 30 منه حيث نص “لكل مواطن و مواطنة الحق في التصويت، وفي الترشح للانتخابات، شرط بلوغ سن الرشد القانونية …”، إن المشاركة السياسية في المغرب كغيره من الدول التي تسعى إلى الانتقال الديمقراطي  لها عوامل عدة تؤثر في نسبتها، هذه العوامل قد تكون راجعة إلى السياق السياسي للانتخابات، كما تبقى للمشاركة السياسية علاقة مباشرة بالاغتراب السياسي.

المطلب الاول : السياق السياسي للانتخابات في المغرب بعد دستور 2011.

   كغيرها من الدول، عرف المغرب احتجاجات واسعة سميت بحراك 20 فبراير في جل مدن المملكة، تنوعت مطالبها بين ماهو اجتماعي، وكذلك مطالب سياسية تتجلى في إصلاح سياسي و محاربة الفساد الممارس من طرف النخبة السياسية، هذه الأسباب كانت لها نتائج تتجلى في قرار ملكي لمراجعة الدستور، بعد صدور الدستور فاتح يوليوز بدأت الاستعدادات للإجراء انتخابات 25 نونبر هذا التاريخ لم يعطي الوقت الكافي للأحزاب و منظمات المجتمع المدني الوقت لا سواء لاستعداد للاستحقاقات أو إعطاء وجهة نظر، هذه الفترة، تميزت بظروف تنظيمية طبعتها الدعوة الحادة للمقاطعة  من لدن الحركات الاحتجاجية التي تحمل العديد من المطامح و تعكس الكثير من المطالب، و بالوقوف عند الانتخابات 2016 و في عز أزمة العزوف ومن أجل تجنب سيناريو الاستحقاقات ما قبل سنة  2016، وفي ظل ما نص عليه الفصل 30 من الدستور حول كون حق التصويت حق شخصي، ثار نقاش حول إلزامية التصويت و مدى إمكانية التنصيص على ذلك في القانون التنظيمي المتعلق بالانتخابات، وقد جاء هذا النقاش كألية لمواجهة العزوف الذي تم تسجيله في مختلف المحطات الانتخابات السابقة، و قد استمر هذا الجدل مع استعدادات لإنجاح استحقاقات 8 شتنبر، إلى جانب هذا فقد عرفت هذه الاستحقاقات جدل أخر حول المستجدات التي عرفتها القوانين التنظيمية، استعدادا للانتخابات التشريعية و الجهوية و الجماعية، أبرز هذه المستجدات هي “القاسم الانتخابي” الذي تم من خلاله يتم تقسيم المقاعد على أساس المسجلين في اللوائح الانتخابية وليس على الأصوت الصحيحة المعبر عنها.

المطلب الثاني : واقع الاغتراب السياسي و المشاركة الانتخابية في المغرب بعد دستور 2011.

   من أهم مظاهر الاغتراب السياسي في المغرب، العزوف عن التصويت في الانتخابات و كذلك العزوف عن العمل السياسي عامة، حيث تشهد الانتخابات التشريعية و الجهوية و الجماعية خاصة اقتراع 8 شتنبر عزوف نسبة كبيرة من المواطنين، يوحي بعدم اهتمام المواطن المغربي بالحياة السياسية، ومما لا شك فيه أن الاغتراب السياسي هو شعور له عوامله تتجلى فيماهو سياسي اقتصادي و اجتماعي؛ هذه العوامل تفرز لنا في النهاية مظاهر أساسية للاغتراب و المتمثلة في تدني نسبة المشاركة في الانتخابات خصوصا ما بعد دستور 2011، لكن الملاحظ أن نسبة المشاركة في زيادة طفيفة نسبياَ بالمقارنة بين الانتخابات التشريعية ل 25 يونيو 2011 والتي عرفت نسبة المشاركة فيها ٪45.51 و بين انتخابات التشريعية و الجهوية و الجماعية ل 8 شتنبر 2021، حيث عرفت هذه الاستحقاقات نسبة المشاركة بلغت ٪50.35، أي بزيادة حوالي ٪5، لكن بالرجوع إلى الانتخابات التشريعية ل 7 أكتوبر 2016 فقد سجلت ٪42.29 أي بنسبة أقل من انتخابات 25  يونيو 2011  وبالرجوع إلى النسب المسجلة في الاستحقاقات ما بعد دستور 2011 فإن هذه النسب غير مستقرة وبالتالي لا يمكن الحسم في ما إذا كان الاغتراب السياسي يتسع أو أنه في تراجع، خصوصا مع تسجيل تحسن في نسبة المشاركة في استحقاقات 8 شتنبر والتي كانت غير متوقعة في ظل تنامي دعوات المقاطعة  بعدما كانت هذه النسبة في تراجع في استحقاقات 2016 .

خاتمة:

   صحيح أن المشاركة الانتخابية شكل من أشكال الديمقراطية في جميع البلدان، باعتبارها الطريقة الصحيحة للتعبير عن إرادة الناخبين و بالتالي اختيار من يمثلهم لا سواء في انتخابات التشريعية أو الجهوية أو الجماعية بكل حرية، لكن تبقى نسب هذه المشاركة الانتخابية هي نسب غير مشرفة، و بالتالي يمكن أن تفرز لنا هذه الاستحقاقات  نتائج قد لا تعبر عن التوجه و الاختيار العام الصحيح .
   إن المشاركة الانتخابية ما بعد دستور 2011 تعاني من أزمة المشاركة كما هو الامر قبل دستور فاتح يوليوز، حيث عرفت هي أيضا العزوف بنسب مخيفة خاصة من فئة الشباب، إن ظاهرة الاغتراب السياسي تعاني منه المشاركة السياسية عموما ولا تقتصر على المشاركة الانتخابية فقط.
   إن إدراك واقع هذا الاغتراب يجب دراسة أولا عوامله، و التي في كثير من الأحيان تبقى عوامل منطقية ، في مقابل ذلك يبقى الاغتراب السياسي ليس بالحل الصحيح للاجابة على تلك العوامل المسببة فيه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى