حماية حقوق الأجراء الشخصية

 حماية حقوق الأجراء الشخصية




تقديم:

  يعتبر الأجيـر وفقـا للفقرة الأولـى مـن المـادة السادسـة مـن مـدونـة الشغل ؛ “كـل شخص إلتـزم بـبذل نشاطه المهني تحـت تبعيـة مشغل واحـد أو عدة مشغلين لقاء أجر أيا كان نوعه وطريقة أدائه”.

و بالتالي فالأجير هو كل شخص طبيعي ذكـر كـان أو أنثى بالغا سن الشغل، ويؤدي عمله تحت تبعية مشغل مقابل أجر.

كمـا يعتبـر أجيـرا كـذلك أيـا كـان نـوع النشـاط الـذي يؤديـه عضـليا أو ذهنيـا زراعيـا أو تجاريـا، ومهمـا كـانـت درجتـه داخـل المقاولـة مـديرا أو مستخدما أو عـاملا بسيطا، وللإشارة فإنـه لا يمكـن اعتبـار الشـخص الاعتباري أجيرا وإن كان يستطيع أن يتعاقد باعتباره مقاولا.

وعليـه فـإن للأجيـر حـقـوق عديدة يتطلب الأمر حمايتهـا مصداقا لقوله تعالى؛ “نحـن قسـمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضـهم فـوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون.
 وروي في حديث شريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قـال – إعطوا الأجير أجره غير أن يجف عرقه.

لكـن فـي الواقع العملي لا يمكن أن يستفيد الأجيـر مـن حقوقـه إلا إذا كان القانون يقرها ويعترف بها كذلك.

والحـقوق الـتي يتمتع به الأجيـر لـيـس واحـدا بل حقوق كثيرة ومتنوعة منها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والشخصية، وسنركز في عرضنا هذا على القوة الشخصية المتصلة بعلاقات الشغل.
 لذا فالحديث عن الحقوق الشخصية للأجـراء مـن المسائل المتشـعبة، يتمثل أولـهـا فـي تحـديـد المقصود منهـا، إذ عرفهـا الفقيـه رمضـان أبـو السـعود أنهـا تلـك الحقـوق التـي تسـتمد أصـلـها مـن الشخصية، وتضـمن للشخص الانتفـاع بنفسـه، وتلـك التـي لـهـا صـلـة بهـا مثـل قـواه الفكرية والجسدية والحقـوق المرتبطـة بالشخصـية تختلـف فـي مـداها وأبعادهـا بـاختلاف المجتمعـات والأنظمـة السياسية التـي تحميهـا، وأيضـا بـاختلاف الأزمنـة والتقاليد والثقافات التي تسود المجتمع الواحد.

ولا يخفى علينـا أن موضـوع كـهـذا تنجلـي أهميتـه فـي كثـرة الإشكالات التي يطرحها خاصة أمام ضآلة الضمانات القانونيـة التـي جـاءت بهـا مـدونـة الشغل، مقارنة بتفشي ظاهرة الإعتداء على الحقوق والحريات وعـدم جـدوى تطبيق بعض فصـول مـن قـانون الإلتزامات والعقـود فـي إطـارعلاقات الشغل نظرا لأن من شأن تطبيقه الزيادة في تأزيم وضع الأجير.
 كمـا تتجلى أهمية هذا الموضـوع فـي كـونـه يشكل فرصـة لتقييم الحمايـة المتوفرة للحقـوق المرتبطـة بشخصـية الأجيـر فـي إطـار علاقـات الشـغل، خاصة وأن المشغل يوجـد فـي مركـز إقتصـادي قـوي والأجيـر لا يملـك سـوى المجهـود البـدني والفكـري الـذي يقدمـه لقـاء أجـر، والغالـب هـو أن هـاجس الحفاظ على العمل الذي حصل عليه حتى لا يفقـد مـصـدرا أساسيا للعيش وإن كان ذلك على حساب حرياته وحقوقه الشخصية. 

 والجـدير بالذكر أن حقـوق الأجـراء الشخصية معرضـة أكثـر خـطـورة لاعتـداءات سـواء أثنـاء إبـرام العقـد أو عنـد مزاولـة العمـل المـأجور خاصـة عندما يتعرض الأجيـر للمس بحياته الخاصة، وسلامته البدنيـة وكرامتـه، بـل قد يتعقد الأمر لدرجة عدم احترام حقه المرتبط بكيانه الفكري. 
الأمر الذي يدفعنا إلى طرح الإشكالية القانونية التالية:

هـل تكفـي قواعـد القـانون المغربـي فـي حمايـة حقـوق الأجـراء الشخصية؟.

وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من التساؤلات الفرعية أهمها:

  • أي حمايـة قانونية للحقوق الشخصية للأجـراء فـي عقـد الشـغل وأثنـاء مزاولتهم العمل المأجور؟ وما هي الإشكالات المترتبة عليها؟ 
  • وأي حماية حقوق الأجـراء الشخصية المرتبطـة بكيانهم الفكـري؟ ومـا هي الإشكالات المترتبة عليها؟.
 وللإحاطـة بهـذا الموضوع، وللإجابـة عـن الإشكالية المحوريـة وعـن الأسئلة الفرعيـة، إعتمـدنا التقسيم الثنـائي، متبعـين فـي ذلـك خطـوات المنهج التحليلـي مـن خـلال تحليـل النصوص القانونيـة المتعلقة بالحماية القانونيـة للحقوق الشخصية للأجـراء والإشكالات المترتبـة عليـه مـع إبـراز علاقتهـا بموضـوع الدراسـة، وذلـك مـن خـلال تقســم هـذا العـرض وفـق التصميم التالي:

  • المبحث الأول : حمايـة حقـوق الأجيـر الشخصـيـة فـي عقـد الشـغل وأثناء مزاولته للعمل المأجور.
  • المبحث الثاني : حقوق الأجير المرتبطة بكيانه الفكري. 


المبحـث الأول : حمايـة حقـوق الأجيـر الشخصـية فـي عقـد الشـغل وأثناء مزاولته للعمل المأجور.

مـن المعـلـوم أنـه فـي إطـار المقاولـة تنشـأ علاقات تعاقديـة بـين الأجيـر والمـأجر (رب العمـل) تتخذ شكل عقـد، هـذا الأخير الذي يجب أن يتضمن مجموعة من الحقوق والالتزامـات يتعين احترامهـا مـن كـلا الطرفين خاصـة مـا يتعلـق بـالحقوق الشخصية للأجيـر كـالحق فـي الـزواج والحـق فـي المظهر، ومـا إلـى غيـر ذلـك مـن الحقـوق فـي عقـد الشـغل (المطلب الأول) أو حقـوق أخـرى كالكرامة والسلامة البدنيـة التـي تـأتـي أثنـاء العمـل المـأجور (المطلـب الثاني).

المطلب الأول : حماية الحقوق الشخصية في عقد الشغل.

  يمكن إعتبـار الحقـوق الشخصية هـي تلك الحقـوق المكونة لشخص الإنسان والتي لا يمكن فصلها عنـه، وحيث أنـه وفـي إطـار علاقته بالشـغل التـي يعتبر الأجيـر الطـرف الضعيف فيهـا، فإنـه يمكـن أن يتعرض لمجموعة من الضغوطات التي تفرض عليه الرضـوخ لمطالب المشغل التـي يمكـن أن يكـون فيهـا نـوع مـن المسـاس، أو الاعتـداء بهـذه الحقوق، كفـرض عـدم الحجاب أو شرط العزوبة، مما يمكن أن يخل بمفهوم النظام العام.


 وعليـه، نتساءل عـن مـدى الحمايـة القانونيـة المـوفرة مـن طـرف المشـرع لهـذه الحقوق، خاصة وأن هـذه الأخيرة لا يمكـن أن تقـع تحـت الحصـر؟، وللإجابـة عـن هـذه الإشكالية يجعلنـا نتصـدى لحقوق الأجيـر أثنـاء إبرام العقـد وهـي عديدة إلـى أنــنا سنتناول البعض منهـا فـي (الفقرة الأولى) كما أن هذه الحقوق مرتبطة بها إشكاليات لابـد مـن التطرق لهـا فـي (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الحقوق الشخصية في عقد الشغل.

 يعتبر عقـد الشـغل نقطـة التقـاء مصالح وقيم اجتماعيـة مختلفـة تقضي مصلحة المقاولة التوفيق بينهمـا، بوضـع حـدود مرئـة بـين سلطة المشغل فـي تدبير وتسيير مقاولتـه وبين حماية حقوق الأجراء، ومرحلـة إبرام عقد الشغل هاته تعتبر مرحلة حاسمة في حياة الأجير المهنية فخلالهـا يـتم تحديد نطـاق الالتزامات الملقاة على عاتق كل طرف.
وعليـه يعـرف عقد الشغل بأنـه؛ “كـل عقـد يلتـزم بمقتضاه أجيـر ببـذل نشاطه المهنـي فـي خدمة المشغل وتحـت تبعيتـه لـقـاء أجـر يلتـزم هذا الأخير بدفعه له أيا كان نوعه وطريقة أدائه”
  من خلال هذا التعريف يتبادر إلى ذهننـا سـؤال وجيـه مفاده، هل فعلا الشروط المتضمنة داخـل العقـد، تعطـي الحماية القانونية للحقوق الشخصية للأجير خاصة وأنه الطرف الضعيف في العقد، علمـا أنـه وفـي إطـار حاجتـه للعمـل يمكـن أن يرضخ لبعض الشروط التـي تكـون حيفا في حقه ومسا بحقوقه؟
للإجابـة عـن هـذا السؤال ارتأينـا التطـرق لـبعض الحقـوق علـى سـبيل المثال لا الحصـر، والتي يمكن أن يقـع بـهـا مـسـاس في شخصية الأجيـر أثنـاء عقـد الشـغل، كـالحق فـي الـزواج والحـق فـي اختيـار المظهـر علـى اعتبارهمـا من ابرز الحقوق التي يطالهما تعسف المشغلين.
فبالنسـبة للـزواج يعـد ذا أهميـة بالغـة سـواء مـن الناحيـة الدينيـة أو الاجتماعيـة، والـزواج علاقـة إنسانية بالأسـاس يـؤدي وظيفـة هـامـة فـي المجتمـع بالمقارنـة مـع بـاقي العقود المدنية المرتبطـة أساسـا بتبـادل الأمـوال والمنافع”.
وقد رغبـت فيـه الشريعة الإسلامية ودعت إليـه، مصداقا لقوله تعالى :
هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها ” 
كمـا أن مدونة الأسرة المغربية نصـت عليـه ونظمتـه فـي المـادة 4 مـن مدونة الأسرة علـى كـونـه ميثـاق تراضـي وتـرابط شـرعي بـيـن رجـل وامـرأة علـى الـدوام غايتـه الإحصـان والعفاف وإنشـاء أسرة مستقرة برعايـة الـزوجين طبقا لأحكـام هـذه المدونـة. كمـا لـم تغفلـه جـل الاتفاقيات الدولية الخاصـة بحماية حقوق الإنسان وأكدت على أن للإنسان الحق في الزواج؟.
كـل هـذا يدفعنا إلى القـول بـأن الزواج عنصـر مـهـم وحـق مـن الحقـوق التـي يجـب أن تحترمهـا بنـود العقـد، على اعتبار أن هاتـه الأخيرة محـدودة زمنيا، أي بمعنـى آخـر أن الأجيـر لا يبقى مرتبطـا بهـا إلا أثناء زمان ومكان عقد الشغل ولا تتم إلا في حدوده، حيث أن عقد لشغل لا علاقة له بالحياة العائلية للأجير ولا يمكن لرب العمل أن يتدخل فيها.
 وفـي هـذا السياق جـاء التدخل الإيجـابي للقضـاء حيـث أزاح شـرط العزوبة (La Célibat la contractuel) مـن خـلال تأييـده لحـق المضيفة الجوية للطيران “هيلينـا باطـسـطـا” فـي الـزواج التـي كـانـت تشتغل لحساب شركة الخطوط الجوية المغربيـة وتـم فصـلها لزواجهـا، وهـذا وسـام يعلـق علـى صـدر القضاء المغربـي مـن خـلال هذا التكريس القضـائي لحمايـة أبرز الحقوق الشخصية للأجير التي لا يمكن حرمانه منها.
 وقـد تـم صـدور هذا القرار مـن طـرف(المجلس الأعلى) محكمـة النقض حاليـا بتـاريخ 20 يوليوز 101983. حيـث اعتبـر فصـل الأجيـرة فـي هـذه الحالة تعسفا.
كمـا أن مدونـة الشـغل المغربيـة تضمنت مجموعـة مـن النصـوص تمنـع التمييز في مجال الاستخدام بسبب الوضعية العائلية أو الزواج.
ورغـم كـل هـذه النصوص التشريعية والاتجاهات الفقهيـة التـي سـارت فـي اتجـاه ضـرورة احتـرام هـذا الحـق، الـذي يوجـد بجانب مجموعـة مـن الحقوق الأخرى كالحق في اختيار المظهر.
مـن المعلـوم أن المظهـر يشـكل واجهـة الشـخص فـي غالـب أحيانـه ويعكس شخصيته إلـى أبعـد الحـدود، لذا نجـد أنـه فـي ميـدان الشـغل بعـض المشغلين يركزون عليـه بشكل كبير جنبـا إلـى الخبرة والكفاءة المهنيـة، ونظـرا أيضـا لقلـة فـرص الشغل وكثرة العرض عليهـا وأنـهـم يجـدونها فرصـة لطـرح بعض الشروط مثـال، شرط أن لا ترتدي الأجيـرات الحجـاب كشـرط لقبول إبرام عقد الشغل.
 هنـا نكـون أمـام حقين، حـق الأجيـر في اختيار مظهـره وأيضـا أمـام حـق رب العمـل فـي فـرض الشـروط مـن أجـل ولـوج هذا العمل باعتبار المشغل يسير مؤسسته بالطريقة التي تناسبه، مما يجعلنـا تتساءل حول حرية الأجر في اختيار مظهره؟.
 إن مـن منطلق الحرية التعاقديـة للمشغل الحـق فـي أن يتعاقـد مـع مـن يشـاء وفق الشروط التـي يشـاء، إلا أنـه يمكـن أن يضـع بعـض الشـروط التـي تمس مقومات الأجراء والمستخدمين عنده.
لذلك نلاحـظ أن بعـض الشـركات مثلا تلـزم عاملاتهـا بعـدم وضـع الحجاب، وهـو تدخل سافر في حقوقهن الشخصية ومظهرهن بصفة عامـة كمـا أنــا أيضـا نجـد بعـض شركات الطيران وخيـر مثـال الشركة الدنماركية “ماركس إيـر” التي فرضت على مضيفاتها استعمال مساحيق التجميل أثنـاء عملهن، ليتم اللجوء بعدها إلى مجلس المساواة بين الجنسين في “كوبنهاغن” الذي اعتبر أن فرض استعمال مساحيق التجميل على المضيفات أمر غير قانوني بموجب البند الرابع من قانون المساواة مع الرجال.
 هـا مـا يدل علـى أن حـق الأجيـر فـي اختيـار مظهره یبقی مرهونا بشروط المشـغل التعسفية نظرا لغيـاب نـص قـانـونـي صـريح يحمـي هـذه الحقوق، ماعـدا بعـض القواعـد العـامـة الموجـودة فـي قـانون الالتزامات والعقود، ورغم ذلك لا يجب أن تكون هذه الإنتقادات داءما في صالح الأجير، إذ عليه أيضا أن يلتزم ببعض الحدود، ولا يفهم من خلال هذا أن له كامل الحرية في اختيار مظهره، بل على العكس من ذلك، فهذه الأخيرة يجب أن تكون وفق المبدأ السائد لا ضرر ولا ضرار، لذلك فمـا هـي حـدود حرية الأجير في اختيار مظهره؟.
 بما أن الطـرح السـائد هـو حـق الأجيـر فـي اختيـار مظهـره وأن كـل مساس بهـذا الـحـق يـكـون بـاطلا، فلا يجوز فهمـه بطريقة مغلوطة تعطي الحـق للأجير لاستعمال حقـه هـذا بصـورة مطلقة، مما يمكن معه أن يضر بحسن سير المقاولة ويؤثر على عملها سلبا، ويستعمل هذا الحـق بطريقة تعسفية تجاه مشغله أو أن يحدث ضررا في المقاولة.
ومـع غيـاب النصوص التـي تحـمـي كـلا الطرفين فـي مدونـة الشـغل يبقي الفصل 109 من قانون الالتزامات والعقود غير كاف لحماية الأجيـر مـن أجـل بيـان نوعية حقوقـه وتسطيرها، ولا بالنسبة للماجر الذي يمكن أن يسبب لـه الضـرر، لهذا يبقى الاجتهاد القضـائـي هـو الحـل والرؤية الموازنة القاضي لكلا المصلحتين دون الحاق الضرر بأحد الطرفين.
فالقضاء الفرنسـي كـان سبقا على القضاء المغربي، إذ أن محكمـة الاستئناف بنانسـي فـي قـرار لهـا، اعتبرت أن عـدم ارتداء رافعة النهدين تحـت قميص شفاف أمـر مخالف للآداب والأخلاق الحميدة، وأن تصرفها هذا آثار بالمؤسسة نتيجة تردد الأجراء على مكتب هذه الأخيرة بكثرة، لذلك كان من الواجب أيضا على الأجير أن يحترم بعض الشروط وأن يتجاوزها مدعيا أنها من حقه الشخصي وأن لا يجوز التدخل في مظهره.
 إلا أنـه يبقـى مـن الضـروري فـرض بعـض الحـدود علـى هـذا الأجيـر مـادام يشتغل فـي مـكـان لـه قواعد وضوابط يسير بهـا، يجـب احترامهـا، في إطـار علاقـة تـوازن بـيـن شـروط الأجيـر وحقـوق المـأجر، حتـى يولـد لنـا نـص يؤطر هـذه العلاقـة قانونيـا نظـرا لضـعف هـذه الحمايـة التشريعية لكـلا الطرفين. وهـذا مـا يـدفعنا للتساؤل عن الإشكالات القانونية المرتبطة بحمايـة الحقوق الشخصية في عقد الشغل؟.

الفقرة الثانية: الإشكالات المرتبطة بحماية الحقوق الشخصية في عقد الشغل

ممـا لاشـك فيـه أن المشرع المغربـي أغفـل تنظيم الحقـوق الشخصية للأجير بشكل كبير في مدونة الشغل، فلا يمكن القول أن القضاء المغربي لا يجـد نصـا يحتكم إليـه سـوى الفصل 109 مـن قـانون الالتزامات والعقود، التي تجعـل العقـد بـاطلا، ومـا كـان قبلـه أيضـا يصـيبه البطلان، ممـا يجعـل دائمـا الأجير رغـم أخـذه أو الاعتـراف لـه بحقه المتنازع عليـه خـارج المقاولـة بسـبب بطلان الالتزام.
ففـي حـالـة الـزواج نجـد المحكمة الابتدائيـة بـالـدار البيضـاء مـؤيـدة فـي ذلـك مـن طـرف محكمـة الاستئناف التـي ذهبـت فـي نفـس الاتجـاه حينمـا اعتبرت أن العمـل مـن العقـود الزمنية أي أن أثـره يكـون على المستقبل فقـط اما على الماضي لا سبيل لمحـوه، ففي النازلة يمكن الإشارة إلى أن الشرط في هذه الحالة يبطـل ويبقى العقد صحيحا ذلـك أنـه ليست هناك فائدة لشركة الطيران من زواج أو عدم زواج المضيفة الجوية.
وبالنسبة لأسـاس المتجـي فـي اعتمـاد القصـل 111 مـن قـانون الالتزامات والعقود التي تنص على أنها “يبطل ويعتبـر كـان لـم يكـن الشـرط الذي تتعـدم فيـه كـل فـائـدة ذات بـال، سواء بالنسبة إلـى مـن وضعه أو إلى شخص آخر غيره، أو بالنسبة إلى مادة الالتزام.”.
مـن خـلال هذا النص القانوني يمكـن القـول أن لا يصلح كاسـاس لميـة حـق الأحيـز فـي الـزواج نظرا لأن شرط العزوبـة يعتبـر ذا فائـدة بالنسبة لمن وضعه أي شركة الخطوط الجوية التي تعتبر أن العمل كمضيفة جوية لا يتناسب مع المضيفات المتزوجات.
وعموما فإن تنفيذ التزامـات الناشئة عـن عقـود الشغل تعتمـد بالأسـاس على عنصـر الـزمـن الـذي إذا فـات لا يعـود، فـإذا استحال إرجـاع المتعاقدين إلى الحالة السابقة عن التعاقـد فـإن هذه الاستحالة لا يكون لهـا أن تقلـب العقـد الباطل صحيحا.
وطبقـا للمـادة 9 مـن مـدونـة الشـغل يمنـع كـل تمييـز بسـبب الحالـة الزوجيـة لاسيما فيمـا يتعلـق بالاستخدام وإدارة العمـل وتوزيعـه والتكـوين المهنـي وللأجـر والاستفادة مـن الامتيازات الاجتماعيـة والتدابير التأديبيـة والفصـل مـن الشـغل، ولفعاليـة هـذا المبـدأ فقـد اضـافت المـادة 12 مـن نفـس المدونـة أن مخالفـة المشـغل لتلـك المقتضيات تعرضـه لعقوبـة الغرامـة مـن 15.000 إلى 30.000 درهم مع مضاعفة الغرامة في حالة العود.
ولـم يقتصـر اثـر قـرار (مجلـس الأعلـى) محكمـة الـنقض علـى مدونـة الشغل بـل تعـداه إلـى تأكيـد مبـدا عـدم التميـز فـي تعديل سابق على دخـول مدونة الشغل حيز التنفيـذ حيـث أصدر المشرع ظهيـرا شـريفا أضـاف بموجبـه إلى القانون الجنائي مجموعـة مـن المقتضيات الفصـل 1-431 حيـث اعتبـر في الفقرة الأولى التفرقة بين الأشخاص الطبيعيين بسبب الوضعية العائليـة
بمثابـة تمييـز ورتـب عليـه طبقـا للفقرة الثانيـة عقوبـة الحـبس إذا تمثـل فـي رفض تشغيل شخص أو فصله عن العمل. أمـا بالنسبة لاختيار المظهـر وعنـد البـحـث فـي هـذه الحماية القانونيـة الموفرة لـه، فإننـا نقـع أيضـا ضـمن إشكالية النص المطبـق، إذ لـن نـجـد سـوى الفصـل 109 مـن قـانون الالتزامـات والعقـود الـذي نـجـد فيـه صـراحة ضـرر كبير خاصـة فـي هـذا الحـق، إذ يؤدي بصاحبه إلـى بطـلان العقد، مما يجعل الأجيـر خـارج حـالـة العمـل. إلا أنـه يجـب تكيـف هـذا الفصل ليتلاءم مـع هـدف قانون الشغل المتجلي في حماية فئة الأجراء.
لذلك يطـرح السؤال إلا أي حـد اسـتطاع قـانون الشـغـل تـوفير الحمايـة اللازمة للأجير خاصـة فـي حقه في اختيار المظهر؟ وهل نكـاد نـجـزم بـأنـه لا يوجـد نـص يـوفر هذه الحمايـة فـي القـانون المغربـي؟ مقارنـة مـع نظيره الفرنسي الذي قام بإصدار قانون 31 دجنبر 1993.
يمكـن القـول هنـا ان مدونـة الشـغل المغربـي تفتقـر إلـى نـص يحمـي الأجيـر فـي حـق مـن حقوقـه الشخصية ألا وهـو اتخـاد مظهـر يليـق بـه هـذا يجعلنـا نتجـه إلـى المشرع الفرنسي الذي أورد نصـا فـي قـانون الشغل يحمـي حقوق الشخصية، وبالتالي يبقى للمشرع المغربي المنفذ الوحيد لحمايـة هـذه الحقوق الشخصية هـو الفصـل 109 الـذي جـاء بـه قـانون الالتزامـات و العقـود، والذي يعتبـر كـوحـدة قيـاس لحمايـة بـاقي الحقـوق الشخصية الأخـرى في عقد الشغل، الذي تليـه مرحلـة أخـرى وذلك أثنـاء مزاولة العمـل المـاجور التـي بدورها تعـرف مساسـا بمجموعـة مـن الحقـوق، لذلك يبقـى السـؤال المطروح عـن مـدى توفير هذه النصوص القانونية الموجودة ضمن مدونـة الشغل للحماية القانونية للأجيـر فـي مختلف مراحـل عمـلـه انطلاقا من التعاقد ثم المزاولة العمل الماجور؟.

المطلب الثاني: مدي حماية حقوق الأجير الشخصية عند مزاولة العمل المأجور

إن المشـغـل فـي إطـار حرصـه علـى حماية المصالح الجوهرية لمقاولتـه يعمـد إلـى ممارسـة حـقـه فـي الإشـراف وتوجيـه الأجـراء أثنـاء تـأديتهم العمـل المأجور، ويعتبـر ذلـك حـق خـالص لـه مـن خـلالـه يستطيع تحقيـق أهـداف المقاولة، في مقابـل هـذا يتمتع الأجراء بمجموعة من الحقوق أتجـاه مشغلهم و هو ملزم باحترامهـا 16، وربمـا نـجـد أن المشغل قـد يتجـاوز الحدود المشروعة فـي هـذه الفتـرة وقـد يستغل موقعـه الاقتصـادي القـوي مقارنـة مـع الأجيـر الضعيف و يؤدي الأمـر بـه إلـى المـس بـحـق هـذا الأخيـر فـي كرامتـه و صيانتها (الفقرة الأولى) وقـد يـتـعـد الأمـر ذلـك إذ يتعـرض لمـس بسـلامته البدنية (الفقرة الثانية) فهل من حماية له من طرف المشرع المغربي؟.

الفقرة الأولى: حق الأجير في الكرامة وصيانتها

يعتبر حـق فـي الكرامة من الحقوق المخول للبشرية جمعاء باعتبـار أنـه لكـل إنسـان أن يتمتـع بـه هـو الأمـر الـذي أكـده الإعلان العالمي لحقـوق الإنسان في مادته الأولـى حيـث نصت علـى أنـه؛ “يولـد النـاس أحـرار متساوين فـي الكرامـة والحقـوق، وقد وهبـوا عقلا وضميرا وعليهم أن يعاملوا بعضهم البعض بروح الإخاء”.
والمغرب باعتبـاره بلـد ينهج سياسـة الانفتاح علـى كـل المستجدات القانونية المراكبة للعصر وتطوراتـه أصـبح ملزما بتطبيق المعاهدات الدوليـة واحترامها، وهنـا يطـرح التساؤل حول مدى تجسيد وتكريس هذه الاتفاقيات على ارض الواقع بصـفـة عامـة وفـي التشريع المغربي بصفة خاصة ومـدى رعاية حق كرامة الأجير؟.
وفـي إطـار علاقـات الشـغل يعتبر المساس بالحق في الكرامـة أكثـر شيوعا مـن بـافي المجالات الأخـرى، حيث أن السلطة المشغل في الإشراف والمراقبة والتوجيه واتخاذ إجراءات التأديـب فـي حـق الأجيـر مـن جهـة، و حاجة هذا الأخير إلى أجـر يعيش بـه هـو وأفراد أسرته من جهة أخرى، ولا شك أن مكان الشغل يعد مجال خصبا للمساس بكرامة الأجير.
هـذا وقـد جـاء فـي ديباجـة مدونة الشغل: “أن العمـل وسيلة أساسية من وسائل تنميـة البلاد وصيانة كرامة الإنسان”، وأن العمل ليس بضاعة والأجيـر لـيس أداة من أدوات الإنتـاج ولا يجـوز أن يمـارس فـي ظـروف تنقص من كرامة الأجيـر، كمـا جـاءت المادة 24 من مدونة الشغل 18 بلص صريح على حماية كرامـة الأجيـر والقت على عاتق المشغل الالتزام بالتخاذ كافة التدابير اللازمة لحماية كرامـة الأجـراء والسهر على مراعاة حسن السلوك والأخلاق الحميدة واستتباب الآداب العامة داخل مكان العمل.
ولكـن للأسـف فـي أوسـاط الشركات التجارية والمقاولات التـي تـعـد مكـان عمـل الكثيـريـن مـن الأجـراء تجـاوزات تمـس كـرامتهم وتخدشـهـا ومـن أبـرز هـذه التجـاوزات نلاحـظ التحـريض علـى الفسـاد والتحرش الجنسـي بالخصوص فـي صـفوف الأجيـرات اللواتي يعتبـرن الضحية رقـم واحـد، فهـل للأجير الحق في الاعتراض على سلوك المشغل الماس بكرامته؟.
وسنرى هذه المسألة مـن زاوية التطبيقات المتعلقة بالمسـاس بـالحق في الكرامـة ويـهـم الأمـر بالدرجة الأولى التحرش الجنسي، ومـن ثـم مـدى الحماية القانونية المتوفرة للأجير في صيانة كرامته.
وقبـل النظـر إلـى الموضـوع مـن منظـور قـانوني، من الواجـب الإشـارة إلى أن الدين قـد ضـمن للأجير حقوقـه وصـان كرامته، كالأمر بالوفاء بمـا تـم عليه التعاقد بين الأجير والمستأجر مصدقا لقوله تعالى في كتابه الكريم “يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود”.
وتعلـم أنـه فـي إطـار المناصفة بين المرأة والرجـل وفـي مجـال العمـل والدراسة والعديـد مـن المحـالات الأخـرى، أضـحـت المـرأة تشكل نسبة مهمة في القطاع العمـالي، وكنتيجـة لهـذا العمـل المـزاول يكون هناك إخـلال بـين العنصر النسـوي والذكوري في ميدان العمل وداخل مقر مزاولة الشغل، إلا أن هذا الاختلال وهذا التعايش داخـل فضـاء واحـد (المقاولة) نادرا ما يتم بصورة سليمة، لذا فان القانون يضمن كل الحقوق والواجبات لهؤلاء ويمنع انتشار ظاهرة مخلة بالآداب العامة والأخلاق الحميدة الا وهـي التحـرش الجنسي.
وعليـه فـإن للتحرش الجنسي تعريفات متعددة، ولكن كلهـا شـى على أن هناك عناصر يلزم توفرها لاعتبار التصرف تحرش جنسيا وتتمثل في ما يلي:
  • إن التحرش لا يشمل فقـط السلوكات الحسـية بـل أيضـا السلوكات الشفهية. 
  • ان التحرش يقتضي أن يكون المتحرش عالما بان الصحية تعتبر التصرف الذي قام به مهينا لها (له)
  • أن يكـون الهـدف مـنـه الحصول على خطـوة ذات طبيعـة جنسية وغالبا ما يكون الأمر مقابل الحفاظ على العمل أو الترقية.

وغالبـا مـا يكـون العنصر النسـوي معـرض للمـس بكرامتـه عـن طـريـق التحرش، سواء الأجيـرات أو الموظفـات أو الطالبات او التلميذات، لكـن الـذي يهمنا هنا هو التحرش في الوسط العمـالي أثنـاء مزاولة الأجيـرات لعملهـن المأجور، والإشكال فـي هـذه النقطـة يتلخص في سلطة المشغل بحيث أنـه إذا لم يصل إلى مبتغاه بطريقة أو بأخرى بعد محاولات التغريـر ومـا إلـى ذلك يكـون عـدم الاستجابة لهـا مصحوبا بالفصـل أو تأخير الترقية أو تغيـر مـكـان العمل.

وأمـام هـذه الظاهرة المشينة، نقف علـى أرقام وإحصائيات تبين لنـا مدى استفحال هذه الظاهرة، تشير بعض الأرقـام علـى أنـه فـي وسـط مؤسسة واحـدة تعرضـت 450 أجيـرة للتحرش الجنسـي مـن طـرف رئيسـها، ممـا دفعهم إلى القيام بإضراب لإيقافـه عنـد حـده، فهذه الفئة اختارت تكسير جـدار الصمت، ولكـن هـذا هـو السبب الذي ساعد في نمـو هـذه الظاهرة بحيث أن نسبة 84.10% مـن المتحـرش بـهـن يلـزمن الصـمت، أمـا اللـواتي يختـرن فضح الأمـر لا تتعدى نسبتهن 15.90% كمـا أشـار تقريـر صـادر عـن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان فرع الرباط، أن عدد كبيرا من المؤسسات لا تحتـرم المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسـان والتـي تكفـل وتـضـمن التمتع بشروط عمل عادلة ومرضية.
بعد النظر في الإشكال الذي تطرحـه ظاهرة التحرش الجنسي داخـل فضاءات العمـل ومـا تخلفـه مـن مشـاكل لكلا الطرفين والصرر النسبي الـذي تخلقـه فـي نفـس الضحية سنرى الآن مدى الحماية القانونية المخولة لحـق الأجير في الكرامة.
إن الأثار السلبية التي يخلفهـا التحرش الجنسي سـواء فـي نفسية الضحية أو في الواقع الملموس والمتمثلة أساسا في تحويل مكـان مزاولة العمـل إلـى مكـان يشكل خطرا بالنسبة للعاصر موضوع التحرش من طرف المشغل، حيث أن غياب السلامة الأخلاقية هو أهم عصر يجب أن لا يعتقد فـي مكـان الشـغل، فالأمر هنـا يتعلـق بخرق سافر لحـق الأجيـر فـي العمـل بسلام وأمان وكرامة مصـولة، فهـل مـن ضمانات قانونية للأجيـر المـارس عليه التحرش الجنسي؟.
برجوعنا إلـى القانون الجنـائي نـجـده انه قـد عاقب الإخلال العلني بالحاء  والإغتصاب، أو هتـك العـرض أو التهديد والسب، فهـل هـذه النصوص كافية لمتابعة من صدر عنه فعل التحرش الجنسي؟
فـإذا كـان التحرش بدايـة لتحقيق رغبات ذات طبيعة جنسية، فإنه إذا بلغ إلى حـد يوجـب إخضاعه لعقوبات الأفعال السالفة الذكر، كالحـالـة التـي لـم يكتـف فيهـا المشغل أو الأجير بتوجيـه كلمـات أو عبارات ذات طبيعة جنسية بل تجاوزهـا إلـى حـد هـتـك العـرض أو الاغتصاب لا يطـرح أي إشكال حيث أنه يمكن متابعة الأجير أو المشغل في هذه الحالة.
وجـاءت مدونـة الشـغـل فـي مادتهـا 40 بحمايـة للأجـراء مـن هـذه الظاهرة بصفة خاصـة وظـواهر أخـرى بصفة عامة، وجعـل مرتكبـا لخطأ جسيم في حالة ارتكابـه ضـد الأجيـر أخطـاه تتنافى والأخلاق الحميدة واعتبار طرده للأمير بسبب عدم امتثاله لتلك الأوامر طردا تعسفيا.
حيث ذهبت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء في قرارها الصادر في 17 ماي 2007 الذي جاء فيه ما يلي:
بـأن لمـس المـؤجر يـد الأجيـرة وقـول كـلام الغزل في حقهـا ووضع صور الخلاعة أمامهـا يشكل تحرشا جنسيا ويجعـل مـغـادرة الأجيرة للعمـل نتيجة ذلـك طـردا تعسفيا، لأن المشـغل هـو المرتكب للخطأ الجسيم بمفهـوم القانون الوطني والدولي.”
بكل هاته العوامل نلاحـظ حجـم الظاهرة التـي تـأتي إلى جانب عدة عناصر أخرى وأخذنا بهـا (التحرش الجنسي) كأبرز مثال على تجاوز رب العمل سلطاته لتمس الكرامـة الشخصية للأجير والمساس بها، والترسـانة القانونية الموضوعة لحماية الأجير وضمان حقوقه من الضياع.

الفقرة الثانية: حق الأجير في السلامة البدنية

تعتبر السلامة البدنية أحد الأركان الأساسية الحياة الفرد وقدرته على العمل والكسب، كمـا أن حفظ صحة وسلامة الأجراء كانت ومزالـت أحـد أهداف التشريعات المتعلقة بالشغل سواء في المغرب أو بقية دول العالم على أن حفظ صحة وسلامة الأجراء لا تاتي الا سلامة العمل، حيث يجب احـرام المقتضيات المنعقة باتخاذ الاحتياطات اللازمة حيـة صـحة وسلامة الأجراء أثناء العمل.
 وعليـه يثـار فـي ذهننـا إشكال فيمـا يخـص السلامة البدنية باعتبارهـا حـق مـن الحقوق الشخصية للأجيـر وأولهـا، هل يعتبـر خـروج الأجيـر مـن مكـان العمـل الـذي يشـكـل لـه خطـر مـحـدق بحياتـه بمثابـة خطـا يـخـول المشغل حق اتخاذ عقوبات تأديبية في حق الأجير؟.
جوابنا على هذا السؤال يحيلنـا إلـى اتفاقية الصادرة سنة 1961 رقم 155 المتعلقة بالسلامة والصحة البدنيـة وبينـة العمـل، حيث نصـت هـذه الأخيـرة فـي المـادة 13 على أن “تكفـل الحمايـة للعامـل الـذي ينسحب مـن موقع عمـل يعتقـد لسبب معقـول أنـه يشكل تهديدا وشيكا وخطيـرا لحياتـه أو صحته، ممـا قـد يرتبـه انسحابه مـن عواقـب وفـق الأوضاع والممارسة الوطنية”..
ورغم الأهميـة التـي تحتلهـا هـذه الاتفاقيـة فـي الحفاظ على السلطة البدنية للأجير حيث تخوله الانسحاب من أماكن الشغل التي تشكل خطـرا دون إمكانية اتخاذ عقوبات تأديبية في حق الأجير.
 وللإشارة فـإن المغـرب لـم يـصـادق عليهـا بعـد، وإذا كـان الأمـر كـذلك هـل يمكـن أن نعثـر فـي القـانون المغربـي علـى مـا يمكـن أن يشكل حمايـة للأجـراء حيث وجـود خـطـر مـحـدق بحياتهم بشكل يسمح لهم بالانسحاب من موقـع العمـل حفاظـا علـى حقهـم فـي سـلامة بدنهم، دون أن يعتبـر انسحابهم بمثابـة خطأ. هـذا السـؤال بـدوره يحيلنـا علـى الفصـل 738 مـن قـانون الالتزامات والعقود الذي ينص على ما يلي:
وهـو يـسـأل أيضـا عـن النتائج المترتبـة عـن عـدم مراعاة التعليمات التي تلقاها إن كانـت صـريحة، ولـم يكـن لـه مبـرر خطيـر يـدعوه لمخالفتها، وإذا وجـد هـذا المبرر لزمـه أن يخطـر بـه رب العمـل وأن ينتظر تعليماتـه، ما لم يكن في التأخير ما تخشى عاقبته.”.
وتجدر الاشارة إلى ان المـادة 24 مـن مـدونـة الشـغل نصـت علـى ضرورة أن يتخـذ المشـغل جميـع التدابير اللازمـة لحمايـة سـلامة الأجـراء وصحتهم، كمـا نـصـت كـذلك المـادة 497 مـن مـدونـة الشـغل بأنـه لا يمكـن اللجوء إلـى أجـراء مقاولـة التشغيل المؤقـت مـن أجـل إنجـاز أشغال تكتسـي خطورة خاصة.
فمـن خـلال الفصل 738 مـن قـانون الالتزامـات والعقـود يتبين أنـه فـي حـالـة تعـرض الأجيـر لخطـر يهدد سلامته البدنية كاشتعال النـار فـي مكـان العمل أو تسرب غازات سامة أو تعرض لهجـوم مـن عـصـابة مسلحة يمكنـه الانسحاب من مكان العمل ومخالفة تعليمات المشغل الـذي تلزمـه بـالـقـاء فـي مكان العمل دون إخطـاره بـذلك مـادام أن الانسحاب هو الحفاظ على السلامة البدنية للأجير، لأن كل تأخر في المغادرة سيعرض حياته للضرر.
 كمـا يتضـح ذلـك مـن خـلال المـادتين المذكورتين اعلاه (24 – 497) مـن مـدونـة الشـغل الأجيـر قـد يكـون أمـام ضـرورة الانسحاب مـن عمـل متسـم بخطورة خاصـة ولا يعقل أن يبقى الأمـر مقتصرا على أجيـر مقاولـة التشغيل المؤقت بل كذلك الأمر بالنسبة لأي اجير.
ومـن جـهـة أخـرى فـإن الأجيـر الـذي يـغـادر مقـر العمـل لخطـر يـهـدد سلامته البدنية لا يعد رفضه للعمـل عـن عمـد وبـدون مبرر، و إنما تركـه عـن اضطرار ومبرر جـدي ومشروع و هو الحفاظ على السلامة البدنيـة لـهـذا فـإن هذه المغادرة تعتبر حقا جوهريا للأجير والمتمثلة في حماية سلامته البدنية كحق من حقوقه الشخصية.
وبناء عليه بتظيع من خلال النصوص المشار إليها أعلاه أن الحماية التي يجب أن يتمتع بها الأجير داخل المقاولة والثناء تنفيذ عقد الشغل فيما يتعلق بسلامته البدنية غير كافية نظرا لعدم وجود نص صريح يبين ذلك حتى تعتمده المحاكم المغربية في هذا الإطار.
 هذا في ما يخص حماية حقوق الأجراء المتعلقة بكيانهم الشخصي.
فماذا عن حقوقهم المرتبطة بكيانهم الفكري؟

المبحث الثاني: حقوق الأجير المرتبطة بكيانه الفكري

   يعتبـر عنصـر الأجـراء أمـر ضـروري لسـير المقاولة أو المؤسسـة إذ يلعـب الأجيـر دور محوري رئيسي للنهوض بالحياة الاقتصادية داخـل المقاولة، كمـا يسـاهم في تنميتهـا وتطورهـا ويجعلها استمرارها، سواء على مستواها الداخلي أو الخارجي، إلا أنه في المقابـل لا يمكن تحقيـق هـذا المبتغى خاصـة فـي غيـاب نصـوص تنظم حقـوق شخصية مهمة كحـق الأجير في حرية التعبير والمعتقـد الـديني (المطلب الأول) وكـذا حماية الأجيـر فـي حمايتـه المشـروعة المرتبطة باختراعـه وإبداعـه داخـل المقاولـة (المطلـب الثاني).

المطلب الأول: حق الأجير في ممارسة حريتي التعبير والمعتقد.

إذا كـان بالفعـل أن حرية التعبيـر وكـذا حريـة المعتقـد مـن الحقـوق الشخصية التـي يـحـق للأجيـر أن يمتلكهـا فـإن هـذه الحقـوق تـرد عليها مجموعة من القيود وبالتالي فهـي ليست مطلقة، وعليـه فإننـا نتساءل إلى أي حد يستطيع الأجير أن يمارس حقه في التعبير ؟ وهـل بامكانه أن يمارس حـق المعتقد الديني داخل المقاولة؟.
وهذا ما سنتولى الإجابة عليه بشكل مفصل وفق الفقرتين التاليتين:

الفقرة الأولى: حق الأجير في ممارسة حرية التعبير

 مما لاشك فيه أن المفهـوم المتفق عليـه فـي شـأن حرية التعبيـر هـو حريـة فـي التعبيـر عـن الأفكـار والآراء عـن طـريـق الكلام والكتابة أو عمـل فنـي بـدون رقابـة أو قيود حكوميـة، بشـرط أن لا يشمل طريقـة ومضمون الأفكار والآراء مـا يمكـن اعتبـاره خرقا لقوانين وأعراف الدولة أو المجموعة التي سمحت بحرية التعبير، ومـن خـلال هذا المفهـوم يتبادر على ذهننـا سـؤال عن إمكانية الأجيـر فـي التعبير باعتبـاره فـرد مـن الأفراد المجتمع؟ أم أن هـذا الأمر مقتصرا على الأشخاص العاديين دون الأجراء داخل المقاولة؟.
جوابنا على هذه الأسئلة هـو أنـه بـالرجوع إلى مدونـة الشـغل نجـدها أغفلـت هـذا الحـق كـحـق شخصي للأجيـر، وكذلك نجـد أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في فصله 19 لم ينص هو الآخر على هذا الأمـر، بـل أكثـر من ذلك فإن دستور المملكـة لـم يعطـي للأجيـر حـق حرية التعبير، وإنمـا نـص في الفصل 25 منـه وبالضبط في الفقرة الأولى على أن حرية الفكر والـرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها، ومـن ثـم فـإن كـان مـن المفروض أن الحـق فـي التعبيـر داخـل علاقـات الشـغل يعطـي للأجيـر إمكانية التعبير المباشـر عـن أرائـه وأفكاره المتعلقة بالعمل المنجـز أو يطـرح إمكانيات لتطـوير المنتـوج أو تغييـر ظـروف العمـل مهمـا كـانـت رئيسة الأجيـر والنشاط الذي يقـوم يـه، فلـه كذلك أن يعبـر عـن عـدم ارتياحه وتظلمـه عـن طـريـق تقديم شكاوى ضد المشغل، وكـل منـع بموجب النظام الداخلي أو بنـد في العقد يتعين أن يعتبر غیر شرعی کونه يمس حقا من حقوق الشخصية للأجير.
 إلا أن الواقع يقضـي بخلاف ذلك فبالرجوع إلـى مـدونـة الشـغل نجـدها وكمـا سـبقت الإشارة إلـى ذلـك أنـهـا لـم تتـضـمن ممارسـة هـذا الحـق إلا في الإطـار الجماعي، بخلاف المشرع الفرنسي الذي اعتبـر أنـه يمكن للشخص بصفته أجير أن يستفيد من التعبير المباشر أو الجماعي.
ومن الممكـن أن يـتـم تـأطير هـذا الحـق بين الطرفين (الأجيـر والمشغل) وذلـك بـإبرام اتفاق بينهمـا يخـول للأجيـر الحـق فـي التعبيـر الفـردي داخـل المقاولة إلا أن هذا الأمر بعيد عن الواقع، إذ يقـف فـي مواجهـة حـق المشغل في تسيير وتدبير المقاولة، وفـق مـا يـراه مناسبا ووفـق مـا تقتضيه المقاولة، وقـد يرى المشغل أن منح الأجير حرية التعبيـر مـن شأنه أن يؤدي إلى إفشـاء السر المهنـي والتـي ينتج عنـه ضـرر المقاولة، ويؤدي بـالأجير إلى عقوبات قد تكون نتائجها وخيمة عليه.
وأمـام غيـاب اجتهادات قضائية وطنيـة تبـيـن مـدى حـدود ممارسة هـذا الـحـق فـي حـالـة الاعتراف بـه تشـريعيا، نلاحـظ علـى أن القانون المقارن – القضـاء الفرنسـي – قـد أكـد علـى أن الأجيـر لا يمكنـه أن يتجـاوز الحـدود المرسومة لهذه الحريـة وذلـك مـثـلا عـن طـريـق توجيـه انتقـادات أو سـب رؤسائه بالعمل، وفـي حـالـة تجـاوز هذه الحـدود فإنـه قـد يؤاخـذ بالتعـسـف فـي استعمال الحق وهذا قد يبرر طرده.
وعموما فإن الأجيـر حفاظا على مكانته داخـل المقاولة يستوجب منـه الأمـر الحفاظ علـى أسـرار هذه الأخيرة سـواء داخـل المقـر أو خارجـه لكـي لا يساعد مقولة أخرى على معرفة أسرار تساهم في منافستها.
 وبالتـالي فعليـه تجنـب مـا قـد يضـر بمصـالحها خصوصـا عنـدما تتعارض حرية التعبير مع مبدأ حفظ الأسرار.
ويمكـن القـول فـي الأخيـر أن الأجيـر باعتبـاره فـرد يمثـل مقاولـة فواجـب عليـه بـذل جهـد أكثـر مـن أجـل استمرار المقاولة في عملهـا وهـذا فيـه مصلحة لـه ولـبـاقي الأجـراء، ذلـك مـن خـلال الابتعاد عن التعسـف فـي استعماله مـا قـد يضر بمصالح المقاولة، وفـي مقابـل هـذا أيضـا لابـد مـن اعتراف لـه بـحـق في حرية التعبير وذلك من خلال تقنين نص تشريعي يؤكد على ذلك لأنـه أن الوقت للإعتـراف للأجيـر في بلادنـا بـالحق في التعبيـر المباشر الفردي بعيدا عن تمثيليات النقابية.

الفقرة الثانية: حق الأجير في ممارسة حرية المعتقد داخل المقاولة

 إذا كان المقصـود مـن حرية المعتقد هـو كـون الشخص حر في اعتناق مـا شـاء مـن الأفكـار والتصورات الكون والحيـاة… وإذا كـان إعـلان هـذا التصـور يجـب أن يكـون دون إكـراه أو ضـغـط فـي اعتنـاق عقيـدة معينـة أو تغييرها بأي وسيلة من وسائل الإكراه، وإذا كانت حرية العقيدة هذه حرية الاعتقـاد الـدينـي مـن جـهـة وأن يكون اعتناق هذه العقيدة مبنـي علـى إقنـاع عقلي واطمئنان قلبـي مـن جـهـة أخـرى، فهـل للأجير باعتباره شخص داخل المقاولة سواء الوطنية أو الأجنبية أن يحتـرم معتقـده الـديني أثناء تأدية عمله، أم أن هذا الأمـر يـبرز إشكالات لـدي المشـغل خاصـة إن كـان هـذا الأخيـر يختلف في ديانته عن الأجير؟
 يبدو أن حرية المعتقـد الـدينـي أصبحت تجد مكانتهـا داخـل المقاولـة اعتمادا على قانون الشغل والاتفاقات الجماعية، وأحيانا حتـى مـن خـلال الشروط المدرجة بالعقد، وعليـه يلبغـي عـدم جـواز اخضاع الأخير الوسيلة من وسائل الإكراه التي تؤدي إلى تعطيل حريته في الانتماء إلى دين معين، إلا أنه يجوز إخضاع حريته في التعبير عن ديانته أو معتمده للقبـود المنصوص عليها في القانون وذلك بهدف حفظ النظام العام وحماية مصالح المقاولة وكذا حقوق الآخرين، وللإشارة فإن حـقي ممارسة المعتقدات الدينية طرح العديد من الإشكالات حيث كانت دائمـا محـلا للإعتداءات صارخة أكثر من الاعتداءات التي تقع لباقي الحقوق الشخصية الأخرى.
ولهذا السبب عملت بعض المقاولات تكريس الحيـاد الديني أو وضع المقاولة قيود بموجب عقد الشغل أو بنـودا بنظامها الداخلي كتنظيم اللباس ومنـع حـمـل الشـارات الدينيـة أو ترويج التعاليم الدينية والعقائديـة، وذلـك مـن أجـل ضمان احتـرام أفكـار ومعتقدات أطـراف العلاقة الشغيلة وضمان عدم اصطدامها بمصـالح المقاولـة، أو معتقدات الزبائن أو المفاضـلـة بـين ديانـات الأجراء.
إلا أن هذا لا يعنـي عـدم احتفاظ الأجيـر لخصوصيته، إذ العكـس مـن ذلك حيث أن الأجيـر لـه اعتقـاد وضمير وفكـر، وليس مطلوبـا منـه أن يـؤمن بنفس المعتقدات التـي يؤمن بهـا مشـغله او بنفس التوجهات وليس ملزم كذلك بـأن يتقاسـم مـع المشغل أفكاره ومعتقداتـه، ولـه أن يتبنى آراء وأفكـار مختلفة ما لم تكن هذه الأفكار والمعتقدات محل اعتبار عند التعاقد.
 وبالعودة إلـى جـانـب مـن الاجتهـادات القضـائية الفرنسـيـة فـي هـذا المجـال نـجـدهـا قـد سـاندت التوجـه الـذي يقضي بإبعـاد الـدين عن المقاولـة مـؤيـدا مبـدأ الحيـاد الـدينـي مـن خـلال العديـد مـن القـرارات ومعتبـرة أنـه إذا كـان صحيحا أن المشـغل عليـه أن يحتـرم المعتقدات الدينيـة لأجرائـه فـإنـه مـالـم ينص في عقد الشغل أو النظام الداخلي على تقليص ممارسة العنصـر الـديني أو تصعيده مثـال؛ تخصيص جزء مـن وقـت العمـل لممارسة الأجيـر لصـلاته، أو تخويل الإذن المسبق للتغيـب فـي بعـض المناسـب الدينيـة، فالمشـغل قـد لا يكون ارتكب خطأ يطلبه من الأجير ممارسة المهام التي من أجلها تم تعينه.
ومـن أبـرز القرارات الفرنسية الصادرة فـي هـذا الشـان نـجـد قـرار  صـادر عـن استئنافية تولوز فـي 9 يونيو 1997، فـي حـق نـاشـط يعمـل بمركـز للترفيـه والـذي يقضـي بوجـوب الالتزام بالحيـاد الـديني واعتبرت أنـه بتوزيعه للإنجيل على الأطفال يكون ارتكب خطا جسیم.
كمـا أبانت الممارسة الدينية بالمقاولة المغربيـة علـى هـذا الـدور، ذلـك مـن خـلال الشركات المتعددة الجنسيات إذ قضت الغرفة الاجتماعيـة بمحكمـة الاستئناف بالدار البيضـاء بـأن غيـاب العامـل لأداء الصـلاة دون إذن صـاحب العمل لا يشكل خطأ يستوجب فصله.
وعليـه إذا كانـت حـريـة التـدين مضمونة بموجـب الدستور، وبموجـب قانون الشغل فإن التبعيـة الناتجـة عـن عقـد الشـغل تفرض على الأجيـر أن لا يتجاهـل المصالح المادية والمعنويـة للمقاولـة التـي يعمـل لصـالحها لاعتبـار الموازنة بين المصلحتين تعـد أمـرا ضروريا، رغـم أن المشـرع نـص فـي المـادة 9 من مدونة الشغل على العديـد مـن الحقوق والحريات ومنهـا منـع تمييز بين الأجراء من حيث العقيدة.

المطلب الثاني: حقوق الأجراء الشخصية المرتبطة بإختراعاتهم وإبداعاتهم داخل المقاولة

عرف تطـور الحيـاة الإنسانية نوعـا أخـر مـن الحقـوق ينتمـي إلـى الحقوق الشخصية، غيـر أنـه يحمـل جـانبين مـادي وغيـر مـادي، وهـذا النـوع من الحقوق هو ذاك الذي يرد على الإنتاج الذهني أو الفكري. 
وعليـه فإننـا سنتناول هذه الحقـوق مـن خـلال حمايـة حـق الشخصـي للأجيـر المخترع (الفقرة الأولـى ثـم نتطرق إلـى صـيانة الحقوق الشخصية المرتبطة بإبداعات الأجير وذلك في (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: حماية الحق الشخصي للأجير المخترع.

 إن علاقات الشغل في وقتنا الراهن أضحت مجـالا خصبا لمختلف النواع الابتكارات التي يتم التوصل إليهـا فـي إطـار عقـد الشـغل، ذلك أن صاحب المؤسسة يسعى دائما إلى تحسين قدرته الإنتاجية والتنافسية، لذلك يدخل في تعاقدات مع مجموعة من الأجراء المختـر عين الذين بدور هم يسعون إلى الحصول على منصب شغل بدر عليهم الدخل.
وبذلك تكون الاختراعات التي يمكن أن يتوصل إليهـا الأجير تتميـز بتقابل بين قانونين هما، قانون الشغل الذي يتميز بوجود علاقة تبعية بما تفرضه من التزام الأجير بتنفيذ الأوامر والتعليمات الصادرة عن مشغله واداء الشغل المتفق عليه، مقابل أجر يدفع له من جهة، وقانون الملكية الصناعية الذي يفيد حق المخترع في مختلف الحقوق المترتبة عن اختراعه من جهة أخرى.
 وهكذا فالرابطة الشغلية القائمة بين الأجير والمشغل، تجعل  من حيث المبـدأ بـذل نشاط الأول لفائدة الثاني، وذلك في إطار المؤسسة التي يعمل لصالحها، فهذه الأخيرة في المؤسسة تتوفر على مصلحة خاصة بالبحوث وتوفر جميع الأدوات والمـواد للأجير، الذي يبقى على عاتقه السعي نحـو اكتشاف الاختراع.
وعليـه فإننا نتسـائل إلـى مـن سيسند هذا الاختراع، فهل ستبقي في ملكية الأجير الذي وظف مجهـوده الذهني والفكري لإخراج هذا الاختراع إلـى الوجـود، وبالتالي حماية الملكية الصناعية باعتبارهـا مغايرة للعمـل اليدوي المألوف أم ستسند للمشغل الذي وضع مؤسسته وأدواته ومصلحته للأجير باعتباره عاملا يتقاضى أجر مقابل هذا الجهد؟
للإجابة عن هذا التساؤل بمكننـا البحث في القوانين المنظمة لهذا المجال:
 حيـث نـجـد أن قـانون الشـغـل جـاء خاليـا مـن أيـة مقتضـيات قانونيـة لحماية الاختراعات التي يتوصل إليهـا الأجـراء فـي إطـار تنفيـذ عقـد الشـغل، ويحفظ حقـوقهم الصناعية، لذلك نبحـث فـي قـانون الملكيـة الصناعية الـذي بمقتضاه نظم المشرع الملكية الصناعية وكذا مصير اختراعات الأجراء.
وهكذا نجـد المـادة 18 من القانون المذكور تنص على أنـه؛ “إذا كـان المخترع أجيـرا فـإن الـحـق فـي سـند الملكيـة الصناعية يحـدد وفق القواعـد التالية ما لم ينص على شرط تعاقدي أكثر فائدة بالنسبة إلى الأجير: 
أ- تعتبـر ملكـا للمشـغل الاختراعـات التـي حققهـا الأجيـر خـلال تنفيـذه إمـا لـعقـد عمـل يتضمن مهمـة إبداعيـة تطابق مهامـه الفعليـة وإمـا لدراسـات وأبحـاث مسـتندة إليـه بصـريح العبـارة. وتحـدد فـي الاتفاقيـات الجماعيـة  وعقـود الشـغل الفرديـة الشـروط التـي يسـتفيد ضـمنها الأجيـر صـاحب الاختراع من أجرة إضافية”.
ويلاحـظ مـن خـلال هـذه الفقـرة ان المشـرع اسـند ملكيـة الاختراع للمشغل بناء على أمرين:
الأمـر الأول: عندما تكـون المهمـة الإبداعيـة تطابق المهـام الفعليـة للأجير بمعنى آخر عندما تدخل في صميم مهامه.
الأمر الثاني: عندما تدخل في صميم مهامه، ولكـن تـم إسنادها إليـه صراحة. ولتوضيح أكثـر فملكيـة الاختراع تعـود للمشغل عندما يكون الأجيـر مرتبط معه بعقد يلتزم بمقتضاه بالاختراع، وفي إطار عقد الشغل.
 غيـر انـه اذا كـان المشرع اسـنـد بشـكل صـريح للمشـغل الاختراع الـذي توصـل اليـه الأجيـر فـانـه حـاول ان يحميـه فـي حـالـة توصـل الـى الاختراع بشكل حـر أو توصـل الـيـه فـي اطـار المساهمة بينهمـا مـالـم يكـن قـد اتفقـا مسبقا علـى ذلك وهـو مـا يشـار اليـه بـالاختراع الحـر، حيـث نـص فـي نفـس المـادة علـى انـه جميع الاختراعات الأخـرى ملكـا للأجيـر، غير أنه إذا قام أجير باختراع من الاختراعات، إما أثناء قيامه بمهامه وإما في إطار نشاط المنشأة أو بمعرفة أو استعمال تقنيات أو وسائل، خاصة بالمنشأة أو بفضـل معطيات وفرتها له، وجب على الأجير أن يخبر فورا مشغله بذلك في تصريح مكتوب يوجه في رسالة مضمونة الوصول مع إشعار بالتسلم.
وللمشغل أجـل ستة أشهر من تاريخ تسلم التصريح المكتـوب الأنف الذكر قصد السعي للحصول على ملكيـة مجموع أو بعض الحقوق المرتبطة باختراع أجيره أو الانتفاع بها عن طريق إيداع طلب براءة لدى الهيئة المكلفة بالملكية الصناعية. على أن الاختراع ينسب بقوة القانون إلى الأجير إذا لم يقم المشغل بايداع طلب البراءة داخل الأجل المشار اليه أعلاه.
 يجب أن ينال الأجير عن ذلك ثمنا عادلا تتولى المحكمة تحديده إذا لم يحصل في شأنه اتفاق بين الطرفين، وتراعي المحكمة جميع العناصر التي يمكن أن يقدمها إليها بوجـه خـاص المشغل والأجير، قصد تحديد الثمن العادل باعتبار المساهمات الأولية المقدمة من الطرفين ورعيـا لمـا يعـود بـه الاختراع من منفعة صناعية وتجارية.
اذن يتضـح مـن خـلال هذه المادة ان المشرع عمل على حماية الأجيـر عنـدمـا يقـوم بـاختراع حـر وذلك من خلال نصه على ان جميع الاختراعات الأخـرى ملكا للأجيـر أي فـي حـالـة كـان هناك اختراع حـر فـان ملكية البراءة تبقى في يد الأجير وكذا اختراعه.
امـا الـجـزء الأخـر مـن الفقـرة نفسها تشير إلى الاختراع العرضي أو المختلط الـذي يـأتي نتيجة اعمال وابحاث يقوم بها الأجير خارج المؤسسة وقد يكون ذات اتصـل بالعمل الذي يؤديه، فالعنصر المضاف لهذه الحالة أن الاختراع لـم يـتم بوسائل المشغل والأحـور المـؤداة للأجيـر لـم تكن قصد إجـراء البحوث، وانسـا للعمل المؤسسة فقط، حيث توسـل إلـى اختراع عرضيا او بالسفة بسبب مواد او معلومات التي تستعملها عـادة في المؤسسة.
وتجـدر الملاحظـة فـي هـذا الصدد أن المشرع المغربـي فـي المـادة أعـلاه حـاول أن يميـز بـين الشـيء المخترع أي الشـيء المـادي المحسـوس وبين المعنـوي أو اسـم المخترع. حيث نجده يسند إلى المشغل فقط استغلال واستفادة من ملكيـة الاختراع أي الشيء المخترع، أمـا الحـق المعنوي أي اسـم المختـرع يبقـى مملـوك لصاحبه أي الأجيـر، وذلـك بصـريح المـادة 20 مـن قانون الملكية الصناعية التي جاء فيها ما يلي:
 “يشار إلى المخترع أجيـرا كـان أم لا بهذه الصـفـة فـي البـراءة، ولـه كذلك أن يعترض على هذه الإشارة”.
فهـذا الحـق المـعنـوي يبقـى محمي، رغـم إسـناد ملكيـة الاختراع للمشغل الذي اخترع تحـت تبعيتـه وداخل مؤسسته وتقاضي مقابل ذلك الاختراع، فقد أحسن المشرع عنـدمـا نـص على حماية براءة الاختراع للأجير، إلا أن وفق الشطر الثـاني مـن المـادة 20 يستشف أن للأجيـر إمكانية تنازل عن حقـه هـذا بإرادتـه مـتـى فضـل أن يظـل اسمه غير معروف غير أن مـا يـعـاب عـن صياغة هذه المادة هو أنهـا لـم تحـدد الكيفية التي يمكن أن يقع بها هذا التنازل مما قد يؤدي إلى إهدار حقوق الأجير، وذلك على خلاف نظيره الفرنسي الذي اشترط الكتابة عند التنازل وإما اتفاق لاحق عن الاختراع.
كمـا نعيب أيضا على المشرع مـن خـلال اعتباره في المادة 18 أن ما يتوصل إليه الأجيـر مـن بـراءات الاختراع تكون مقابل ثمـن ذلـك، حيث هذه المـادة تناقض ما جاء في ديباجة مدونة الشغل التي نصت على أنه: “العمل ليس بضاعة والعامل ليس أداة من أدوات الإنتاج”.
وتجدر الإشـارة كذلك إلـى أنـا لـم نـجـد أي قـرار قضائي بهذا الخصوص على عكس ما هو عليه الأمر في الاجتهاد القضائي الفرنسي حيث تم صدور قرارات وأحكام في هذا الأمر.
كالقرار الصـادر عـن محكمـة بـاريس بتاريخ 4 نونبر 1993 يفيد بـان؛ ” عـدم ذكـر المخترعين في طلب البراءة يشير اعتداء على الحقوق المعنوية للعمال المخترعين من طرف مؤسسة بريستول”

الفقرة الثانية: صيانة الحقوق الشخصية المرتبطة بإبداعات الأجير

 إلى جانب الحقوق الشخصية السالفة الذكر أصبحت حمايـة الحقـوق الفكرية للأجيـر تتطلـب كـذلك أهميـة كبـرى، لأن الإنتاج أضحى يرتكز بشكل كبير على الإبداع، لذلك نجـد مجموعـة مـن الإبداعات الفكرية للأجراء تـتم في إطـار عقد الشغل، حيث يتزايد عدد المبدعين الذين بحكـم النظـام المطبـق عليهم يعتبرون أجـراء، خاصة في ميدان الصحافة والتلفزة… بالإضافة إلى العديد من المقاولات التي تشغل مبدعين وتنتظر منهم عمـلا إبـداعيا بصفة مستمرة مقابل حصولهم على شغل قار.
وبمـا أن طبيعـة حقوق المؤلف الفنية والأدبية باعتبارها تجسد لشـاط الشخصية الإنسانية تتجـاوز مفهـوم أداء الشغل، فإن المشرع المغربي حـاول قيـام نـوع مـن التـوازن بين حقـوق الأجيـر فـي إبداعاته وحقوق المشغل الذي يوفر الوسائل التقنية واللوجستيكية للأجير المبدع، وكذلك يدفع له مقابل عمله.
 لذا فإن المشرع المغربـي لـم يـنـص فـي مدونـة الشـغـل علـى مـثـل هـذا العمـل وإنمـا نظـمـه فـي إطـار قـانـون 2.00 المتعلـق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة.
وهكذا نجد في المادة 35 ينص على ما يلي؛

“فـي حالـة مصنف، أنـتـج مـن قبـل مـؤلـف لحسـاب شـخص ذاتـي أو مـعنـوي يسـمى فيمـا بـعـد “المشـغل” فـي نـطـاق عقـد عمـل وداخـل تشغيله للخصـم، إلا إذا كانت هناك حـول هـذه المصنفات مقتضيات مخالفـة يـنص عليهـا العقد، يعتبـر المؤلف المالك الأول للحقـوق المعنوية والماديـة، ولكـن الحقوق الماديـة حـول هـذا المصنف تعتبـر محولـة إلـى المشـغـل فـي الحـدود التي تبررها الأنشطة المعتادة للمشغل أثناء إبداع المصنف”.
فهذه المـادة أعطت للمشـغل الاستفادة مـن المـوارد الماديـة للمصنف لكن الحقوق المعنوية للمؤلف تبقى رهينـة به، إذ أن المهمة الأساسية للحماية هنا هو الحق المعنوي وهو ما جاءت به المادة المذكورة أعلاه، كمـا أنـه بمقتضـى هـذه الحقـوق يستطيع المصنف أن يكون مقاومـة فعالة في مواجهة كل تحريف أو تشويه قد يطاله.
إضـافة علـى المـادة 35 فهنـاك المـادة 31 مـن نفـس القـانون تحمـي حقوق المؤلف وتحـول لـه الحق في الاستفادة من إبداعه ماليا ومعنويا، حيث جاء فيها ما يلي؛
يعتبر المؤلف المالك الأول للحقوق المعنوية والمادية لمصنفه”.
 فمـن خـلال هذه المادة يستطيع المؤلف تحصيل العائدات الماليـة كـنـوع من المكافأة عمـا قـام بـه مـن جـهـد، وذلك عن طريق تخويله حقا استئثاريا في استغلال مصنعه في شكل حقوق مادية.
وكذلك يكـون المشرع المغربـي جـعـل لإبداعات الأجيـر سـواء فـي علاقة الشغل أو كان حرا لها حماية خاصة.

خاتمة:

وفي ختام هذه الدراسة المتواضعة، التـي مـن خلالهـا حـاولـت قـدر الإمكـان وعلـى امتداد صفحات هـذا العـرض، الإحاطـة بموضـوع حمايـة حقـوق الأجـراء الشخصية، وذلـك مـن خـلال دراسة تحليلية لمختلـف النصـوص القانونيـة مـع إبـراز مختلـف الإشكاليات التـي لـهـا علاقـة بالموضوع.
يمكن القول أن عدم وجود قاعـدة قانونيـة فـي القانون المغربـي تنظم سائر الحقـوق والحريات الشخصية للأجـراء أمـر صـعب، إذ يجـب علـى المشرع أن يبذل قصارى جهده لوضـع ذلـك الـنص، ومنـه تـوفير الحماية بشكل صريح، مـن خـلال التنصيص علـى منـع كـل اعتداء على الحقـوق والحريات الشخصية، كمـا هـو الحـال لقانون الشغل الفرنسي الذي منـع تقيد الحقوق والحريات الشخصية للأجير الفردية والجماعيـة مـا لـم يكـن ذلـك مبررا بطبيعة العمل المطلوب انجازه أو مناسبة للهدف المراد تحقيقه.
 هـذا فـضـلا عـن الـدور الـذي يجـب أن يلعبـه الاجتهاد القضـائي عنـد نظـره فـي القضايا التـي يـكـون موضـوعها الاعتداء على الحقوق والحريات الشخصية للأجيـر، إذ ننتظـر منـه فـي هـذا الصـدد جـرأة وفعاليـة أكثـر لتأكيـد سمو هذه الحقوق.
وفي المقابـل كـذلك فـإن الأجيـر عنـد ممارسته لحقوقـه وحرياتـه الأساسية لا ينبغـي عليـه أن يتجـاوز الحـدود الناجمـة عـن طبيعـة الحـق والحرية. كمـا يجـب مراقبة المشغل في استعماله للسلطة في تسيير المقاولة، والتي يمكن أن تكون سبب رئيسي في هضم حقوق الأجراء.

لائحة المراجع:

  •  القرآن الكريم.
  • السنة النبوية.

مؤلفات قانونية:

  •  محمـد بنحساين، “حماية حقوق الأجـراء الشخصية فـي قـانون الشغل” الطبعة الثالثة، دجنبر 2019، بدون ذكر المطبعة
  • محمد سعيد بنـائي، “قانون الشغل بالمغرب – علاقات الشغل الفردية”، دون ذكر مطبعة، طبعة 1981.
  •  رمضان أبو السعودي “الوسيط فـي شـرح مقدمة القانون المدني، المنخل إلـى القانون وخاصـة المصـري واللبناني، النظريـة العامـة للحـق ” بيروت، الدار الجامعية للطباعة والنشر بدون سنة النشر.
  • عبد اللطيف الخالفي، الوسيط في مدونة الشغل، الجزء الأول علاقات الشغل الفردية، المطبعة و الورقة الوطنية، 2004.

  أطاريح جامعية:

  • بزاوي الصـديق : “قانون الشـغل المغربـي ومبـدأ استقرار علاقـات العمـل”، أطروحـة لنيـل الدكتوراه فـي القـانون الخـاص، كليـة العلـوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – الـدار البيضاء، السنة الجامعية 2005-2004

رسائل جامعية:

  •  عبد اللطيف النقاب “الحماية القانونية لحقوق الأجـراء الشخصية في الفنون المغربي”، رسالة لنيل العلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة القاضي عياض، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية مراكش السنة الجامعية 2010 – 2011
  •  الحسن كتبي، الحماية القانونية للحياة الشخصية للأجبر، تقريـر لنيـل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة الحسن الثاني كليـة العلـوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق، السنة الجامعية 2009/2008.
  •  لمـواق أسية : “عنقد الشـغل وحقوق الأجيـر الشخصية”، رسالة لليـل الماستر في العلوم القانونيـة، تخصص قانون الأعمال، جامعة محمـد الخامس، كليـة العلـوم القانونيـة والاقتصادية والاجتماعية، أكدال – الرباط السنة الجامعية 2008 – 2009

 مقالات قانونية:

  • “حرية العقيدة  مفهومهـا تأملها وحكمهـا” مقال منشـور لموقـع www.blougsaeed.com تاريخ النشر: 1 نوفمبر 2010
  • “قانون الشغل، الحياة الخاصة للأجير”، منشـور فـي الموقـع www.drsitetentre.pris. org تاريخ النشر ماي 2015.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى