قصة – كفاح شعب مصر | الفصل السابع (هزيمة وبعث جديد)

 قصة – كفاح شعب مصر | الفصل السابع (هزيمة وبعث جديد)

قصة – كفاح شعب مصر | الفصل السابع (هزيمة وبعث جديد)

1- رفض الخديوي مطالب الشعب وخيانة الخديوي لمصر:

((بدأت الثورة العرابية باجتماع ضباط الجيش في منزل (أحمد عرابي) وأقسموا على الجهاد لتحرير مصر مما لحق بها على يد الخديوي، وجرت الأحداث سريعا وقام الجيش كله بعرض عام في ساحة عابدين في التاسع من سبتمبر عام 1881م، وفيه عرض أحمد عرابي طلبات الجيش والشعب، فردَّ الخديوي قائلا: “لا حق لكم في هذه المطالب، لقد ورثت هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساننا”

فردَّ عرابي ردَّه التاريخي المعروف:

“لقد خلقنا الله أحرارا، ولم يخلقنا تراثا أو عقارا والله الذي لا إله غيره، إننا سوف لا نُورث ولا نستعبد بعد اليوم”.

اتفق الخديوي مع الإنجليزي على أن يروا أمرا لدخول مصر وتعهد لهم أن يساعدهم، وتعهدوا له أن يحموا عرشه وسافر الخديوي إلى قصر رأس التين؛ ليكون في حماية الأسطول الإنجليزي الذي دحل ميناء الإسكندرية، وقامت الفتن في البلاد، وضرب الأسطول الإنجليزي في الإسكندرية، واضطر عرابي إلى الدخول في الحرب ضد الإنجليز الذين انحاز إليهم الخديوي، ووقف الشعب المصري بكل ما يملك بجانب الجيش وقائده العظيم عرابي، ووقعت النكسة الكبرى بوصول الجيش الإنجليزي إلى القاهرة العباسية، ثم القلعة التي سلَّمها لهم (خنفس) قائد حاميتها)).

2- المؤرخ (ماسبيرو) يقرر حقيقة الشعب المصري:

((لقد جهل الإنجليز الحقيقة الواضحة التي سجلها ماسبيرو المؤرخ الكبير قائلا:

“إن هذه الأمة المصرية العنيفة دون سائر الأمم والشعوب، تدل طبائع أبنائها، كما تدل آثارها، على البقاء والخلود، فكم من مرة اجتاحها الغاصبون الأقوياء، وظنوا أنهم حوَّلوا أرضها رمادا تذروه الرياح، وظنوا أنهم قلبوا مُدنها وقراها أنقاضا فوق سكانها، فإذا بأولئك السكان ينفضون عنهم ما ظنه الغاصبون فناء، ويبعثون من تحت الأنقاض ليعيدوا البناء والكفاح من جديد”.

لقد جهل الإنجليز هذه الحقيقة التاريخية وسِخروا بها حتى لا بين هذا الظلام نجم جديد، يدعو لبعث جديد)).

3- مصطفى كامل باعث الحركة الوطنية:

((وأي نجم غير (مصطفى كامل)؟ هذا الشاب الذي صمم على أن يجعل حياته كلها جهادا في سبيل بلاده، وأن يكون المحامي الأول عن قضية وطنه العزيز.

لقد رأى مصطفى كامل أن يبدأ جهاده بوسيلتين:

الأولى: تقوم على بعض الحركة الوطنية في الداخل؛ لتوحيد الجهود ضد المستعمرين، ومحاربة استسلام الوزراء والحكام وكبار الموظفين لمصريين لسلطات الاحتلال.

والوسيلة الثانية: الدعاية للقضية المصرية في أوربا، حتى يفهم العالم كله أن في مصر شعبا حرا صمم على أن يسترد حريته واستقلاله.

وكان بجانب هاتين الوسيلتين يبث في الشعب المصري الوطنية الصادقة الصحيحة والشهامة والشجاعة والإقدام، ويدعوه إلى حب المجد والرفعة ومسابقة الأمم في مضمار التقدم والرقي؛ لأنه كان يرى أنه إذا تمكنت هذه المشاعر وتلك الصفات من كل مصري، ظهرت معالم الهمة والإقدام والتضامن بين مختلف الطبقات والهيئات واتحدت الأمة المصرية في أهدافها وغاياتها، وقضت على دعاة التفرق والخصام، وأصبحت أمام المستعمر كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.

4- جهاد مصطفى كامل في مصر والعالم:

((بدأ مصطفى كامل يتصل بالصحف المصرية، ينشر فيها المقالات الوطنية ليلهب حماسة الشعب ويحرك غيرته ويثير وطنيته وكان يخطب في الأندية يحث مواطنيه على الكفاح والجهاد، وما ترك مناسبة إلا وقف يطعن في سياسة بريطانيا، داعيا أمته إلى التمسك بحريتها وحقوقها كاملة.

ولينشر دعوته الوطنية في نفوس الشعب أصدر صحيفة اللواء التي أصبحت شبه مدرسة تعلم المصريين حقوقهم وواجباتهم، وكان يهتم فيها ببعث الروح الوطنية واتحاد عنصري الأمة وكشف مساوئ الاحتلال والاستعمار، ومحاربة اليأس والاستسلام، والدعوة إلى التمسك بحقوق البلاد، وكان شعاره في ذلك:

“إن من يتسامح في حقوق بلاده، ولو مرة يبقى أبد الدهر مزعزع العقيدة”.

ولم يقتصر مصطفى كامل على نشر دعوته في مصر بل رأى بحكمته أن أقوى سلاح في جهاده الدعاية للقضية المصرية في أوربا فذهب إلى فرنسا، وهناك أخرج نداءه في صورة رمزية تمثل مصر تحت قيود الاحتلال البريطاني، وهي تستغيث بأحرار فرنسا؛ ليساعدوها على تحريرها واستقلالها

طبع مصطفى كامل من هذا النداء مئات في النسخ، ووزعها على النوّاب والكتَّاب والمفكرين والصحفيين في نواحي فرنسا، وفي أرجاء العالم كله، فكان لهذا العمل أثر كبير في تنبيه أذهان أوربا إلى عدالة القضية المصرية وحق المصريين في الحياة الحرة الكريمة))

5- حادثة دنشواي:

((وبينما كان مصطفى كامل يدعو للقضية الوطنية في فرنسا، وقعت في مصر (حادثة دنشواي) لقد كان بعض الضباط البريطانيين يصطادون الحمام بالقرب من بلدة دنشواي بالمنوفية، فأصابت رصاصة أحدهم فلاحة الطريق الزراعي تعرض أحد هؤلاء الضباط لأشعة الشمس المحرقة فأصابته ضربة الشمس، فمات ..

6- استنكار مصطفى كامل لحادثة دنشواي:

عندئذٍ ثارت ثائرة الإنجليز، وشكَّلت محكمة عسكرية وبعد محاكمات وهمية لا عدل فيها ولا منطق، حكمت بإعدام أربعة من الأهالي شنقًا، وبالسجن والجلد على آخرين.

وفي مكان الحادث نُصبت المشانق وجِئَ بآلات الجلد والتعذيب، ونفذت الأحكام أمام أقارب المحكوم عليهم في عنف زائد، وقسوة بالغة)).

((وعندما علم مصطفى كامل وهو في باريس بهذا الحادث الأليم، استغل الحادث، ونهض على الرغم من مرضه يبين للعالم كله ظلم الاحتلال والاستعمار، وتتابعت مقالاته في الصحف قائلا: 

“جئت اليوم أسأل الأمة الإنجليزية نفسها، والعالم المتمدين: هل يجوز إغفال مبادئ العدل والإنسانية إلى هذا الحد؟”

“جئت أسأل الإنجليز الغيرة على سمعة بلادهم وكرامتها، وأن يقولوا لنا إذا كانوا يرون بسط النفوذ الأدبيّ والمادي للإنجليز على مصر بالظلم وصنوف الهمجية؟”

“جئت أسأل الذين يجاهرون في كل بأن بحق الإنسانية، ما لئين الدنيا بعبارات السخط إذا حدثت فظائع في بلاد خرى دون فظيعة دنشواي ألف مرة أن يثبتوا صٍدقهم وإخلاصهم بالاحتجاج بكل قوة وشدة على هذا العمل المنكر الذي يدين إلى الأبد تلك المدنية الأوربية في أعين العالم كافة”.

“جئت أسأل الأمة الإنجليزية إذا كان يليق بها أن تترك الممثلين لها في مصر يعمدون بعد احتلال دام أربعة وعشرين عاما إلى قوانين استثنائية ووسائل همجية -بل وأكثر من همجية-ليحكموا مصر، ويُعلموا المصريين ماهية كرامة الإنسان”.

ثم استطرد يقول:

“يحق للمصريين ان يطلبوا تحقيقا كاملا في المسألة، وإن مصر على بعد يومين من أوربا، فليأت إليها الإنجليز المحبون للعدل والراغبون في إعلاء الشرف البريطاني، وليذهبوا إلى المدائن والقرى، وليروا فيأت إليها الإنجليز المحبون للعدل والمساواة، ويطلب أن يُعامل كشعب حر، لا كقطيع من الأغنام، وأنه بكل عزيز لديه لتحقيق هذا المطلب الأسمى مطلب الحرية والاستقلال”.

“أجل إن الشعب المصري شاعر الآن بكرامته، وذلك أمر لا يمكن إنكاره بأية حال، إنه يطلب معاملة أبنائه أسوة بالأجانب، وهو طلب عدل وغير مبالغ فيه أيضا”.

“إننا نطالب بالعدل والمساواة والحرية، نطلب دستورا يُنقذنا من السلطة المطلقة، ولا شك أنه لا يمكن للعالم المتمدين وللرجال المحبين للحرية والعدل في إنجلترا إلا أني كونوا معنا، ويطلبوا مثلنا ألا تكون مصر – تلك التي وهبتْ للعالم أجمل وأرقى مدنية-أرضا تمرح الهمجية فيها، بل بلادنا تستطيع المدنية والعدالة أن تبلغا فيها من الخصب والنمو مبلغ خصب أرضها المباركة”)).

7- آثار مقالة مصطفى كامل في أوربا:

((ودوَّت المقالة في أوربا دويا عظيما، وتناقلتها الصحف في مختلف أنحاء العالم بالتعليق النزيه، وكان لبلاغتها وعبارتها القوية المؤثرة، الصادرة من زعيم الحركة الوطنية تأثير كبير في الرأي العام الأوربي، الأمر الذي جعل صحيفة (التَّربْيُون) الإنجليزية تُنادي بوجوب منح مصر استقلالها الذاتي.

وكتبت مجلة (المجلات) الإنجليزية مقالة تذكر الإنجليزية فيها بوعودهم بالجلاء عن مصر، وأخذت الصحف العالمية الأخرى تنشر المقالات الطويلة عن صمر ومكانتها في المجتمع الدول.

وكان لهذه المقالة صدى في البرلمان البريطاني، إذ قام بعض النُّواب الأحرار يلقون على (اللورد كرومر) تبعه حادثة دنشواي ويستنكرون فعلته.

وتوجه (مصطفى كامل) بعد ذلك إلى لندن نفسها، وراح يواصل جهاده هناك، رافعا صوت مصر عاليا، شارحا لرجال السياسة وقادة الفكر وجهة النظر المصرية في منطق سليم، وحُجة قوية)).

8- إبعاد اللورد كرومر عن منصبه:

((وأدركت الحكومة البريطانية أن سياستها في مصر تحتاج إلى تبديل وتعديل، وألقيت مسئولية حادثة دنشواي على شخصية اللورد كرومر، ورأت بريطانيا إقصاءه عن منصبه إنقاذا لسمعتها أمام العالم المتمدين، وتخفيفا لهياج الشعور الوطني في مصر.

وكان استعفاء اللورد كرومر انتصارا كبيرا للحركة الوطنية، فقد تولى منصبه في مصر مدة أربعة وعشرين عاما، وكان في خلالها الحاكم المطلق لمصر، فلا شك أن إقصاءه عن السلطة بعد هذه المدة الطويلة هو اعتراف بقوة الحركة الوطنية)).

9- محمد فريد يُكمل رسالة مصطفى كامل:

((وقف (محمد فريد) في أوربا راسخا كالجبال ينفق من ذات يده قبل أن يخطب او يكتب، كان يطير إلى المؤتمرات الأوربية لا يفوته منها مؤتمر، ولا يترك منها اجتماعا، رافعا صوت مصر ومناديا باستقلالها، يُعينه ماله وتُسعفه ثروته دون أن يطلب من قومه عونًا.

وظل يدعو لاستقلال بلاده، ويثير ففي قومه الحماسة الوطنية حتى نفذت أمواله وعاش في أواخر أيامه مريضا فقيرا، ثم أسلم الروح بعيدا عن دياره.

وكان لجهاد هذين الزعيمين: (مصطفى كامل، ومحمد فريد) آثر كبير في ازدياد الوعي القومي، حتى أصبح الشعب دائم المطالبة بحقوقه، وعلى استعداد لمقاومة الاحتلال ويذل التضحيات، عند سُنوح أية فرصة وقد سنحت تلك الفرصة في ثورة 1919م)).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى