قصة – كفاح شعب مصر | الفصل الحادي عشر (شعب مصر والعدوان الثلاثي)

 قصة – كفاح شعب مصر | الفصل الحادي عشر (شعب مصر والعدوان الثلاثي)

قصة – كفاح شعب مصر | الفصل الحادي عشر (شعب مصر والعدوان الثلاثي)

أ‌- تأميم قناة السويس وآثاره في مصر وأوروبا:

((أمِّمت مصر شركة قناة السويس، فكان ذلك حدثا عظيما، وعيدا مجيدا، فإذا البهجة في كل مكان، والفرحة على كل لسان، وإذا الابتسامة تغمر كل وجهٍ وإذا النشوة تملأ كل قلب، لقد عمت الفرحة الكبرى أرجاء البلاد وكيف لا تعم، وقناة السويس قد ردت إلينا بعد غياب طويل، ويأس مرير، وجهاد شاق طويل؟

أما في أوربا فكان الحال على نقيض ذلك، فقد خيم الحزن على كل ركن، وغابت الابتسامة عن كل وجه، فكان في كل صدر زفرات حزن دفين.

واجتمع رجال السياسة في أوربا للتفكير في هذا الحدث وللتآمر على مصر لإعادة قناة السويس إليهم كما كانت.

حاول الاستعمار بطرقه الملتوية المختلفة أن يقيم الدنيا، ويقعدها، ويثير العالم كله ضدنا، ولكن منطق مصر كان أقوى من سلطان المستعمر ودهائه ودسائسه.

ولما فشل المستعمر أمام الحق والعدل لجأ إلى منطق الحديد والنَّار فإذا ثلاث دول تغزو بأساطيلها ومدمراتها وطائراتها وغواصاتها مصرنا الحبيبة، وقدروا لهذا الغزو ستة أيام يقبضون بعدها على زمام الأمور ويعيدون بعدها القناة إلى حظيرتهم كما كانت أول مرة.

ولكن أبناء هذا الشعب وقفوا يستقبلون هذا العدوان في صبر وعزيمة وإيمان)).

ب‌- الشعب يقاتل وينتصر:

أقبلت كتائب (الشياطين الحمر) –كما كانوا يسمونها-تهبط بمظلاتها من الطائرات فإذا أبناء مصر جنودا وشعبا، صغارا وكبارا، نساء ورجالا، يستقبلون هؤلاء الغادرين ببنادقهم ومدافعهم الرشاشة، لا يهابون ولا يخافون شيئا، وإذا جنود الدول العظمى تلقى مصرعها قبل أن تنزل إلى أرض الوطن، لا بيد المدربين فقط، بل بيد الشعب الذائد عن وطنه، والمتحمس لشرفه وكرامته أيضا.

لقد انتصر هذا الشعب؛ لأن الشجاعة تملأ نفسه، والإيمان بملأ قلبه .. والعزيمة تملأ صدره، وهناك شيء آخر سرى في دمه عبر الأجيال والقرون التي مضت .. هذا الشيء هو سر البقاء والخلود)).

جـ – نماذج من البطولات الرائعة التي حققت النصر:

((سرى هذا السر في دم (الشاويش محمد)، وسرى في قلب فتيات مكتب بورسعيد، سرى في أعصاب الضابط البحري (جلال الدسوقي)، وسرى في عقل الطالب الجامعي (جواد حسني)، وسرى هذا في السر في دم كل فتى وكل فتاة فكُتِبَ لمصر في بورسعيد النصر والخلود)).

1- البطولة الأولى: بطولة (الشاويش محمد):

((كان (الشاويش محمد) فلاحا طويل القامة، أسمر اللون، صعيدي المنشأ، وعندما جاء العدوان الثلاثي الغادر كان في إجازة بين أهله وقومه، وما إن سمع بهذا العدوان حتى قطع إجازته وذهب مسرعا إلى فصيلته في قطاع فلسطين ليؤدي واجبته.

وبالقرب من موقع القتال عرف أن قوته التي قوته التي يعمل اشتبكت فعلا مع اليهود، فراح يبحث عن سيارة تحمله إلى موقع فرقته.

وعثر على سيارة كانت ذاهبة إلى (القصيمة) فقفز إليها بسرعة، وانطلقت به، وفي (أبي عُجيلة) أوقف البوليس الحربي السيارة، ومنعها من التقدم؛ لأن الضرب على أشده في (القصيمة).

ولم ينتظر (الشاويش محمد)، بل قفز من السيارة ليذهب إلى خط النار، ووصل إلى الموقع، وكان جنوده في انتظاره، وفي الانتظار توجيهاته وتعليماته وآرائه.

وألقى بملابسه وارتدى ملابس الميدان، وكانت (التَّبة 183) تعيش تحت وابل من طلقات مدافع العدو مدافع الأرض، ومدافع السماء، فإن الطائرات المحلقة لم تكن ترحمهم لا من قنابلها ولا من منشوراتها.

كانت الطائرات اليهودية تُلقى عليهم منشورات مستمرة تطالبهم بالتسليم والاستسلام والكف عن القتال، وأصدر (الشاويش محمد) أمره إلى جنوده بعدم قراءة أي منشور.

وبدأ ميكروفون الطائرة يُذيع على القوات المصرية في الموقع شروط التسليم، ولم تهتز شعرة في رأس (محمد)

كان يروح ويغدو بين جنوده يبث فيهم من روحه وثباته وجرأته، وكان يساعدهم على اختيار الأماكن المناسبة.

وثبت الموقع المصري أمام مدافع اليهود وقذائفهم، وأحسَّ الشاويش محمد من ليالي العمر، وطاف بجنوده يسألهم عن أحوالهم)).

((وكان يتلمس شيئا يبعث فيهم الأمل، وجاءت النجدة من السماء، حلَّقت قاذفة قنابل فوقهم، واقتربت منهم وأطلق عليها الجندي صالح ومدفعة (البلانسيت)، وكان يعرف أنه مدفع مضاد للدبابات ولكنه عرف أيضا أنهمن الممكن استخدامه ضد الطائرات عندما تقترب منه.

وسقطت قاذفة القنابل .. وهتف الجنود جميعا الله: أكبر.

لقد هبط عليهم من السماء أمل يعيشون عليه، حتى الصباح، وكانت ليلة حالكة السُّوار.

لم تكف المدفعية لحظة واحدة، وبقي كل جندي في مكانه، أما الشاويش محمد فكان في كل مكان وانتصف الليل، ولاحت عن بعد سيارات العدو المصفحة في طريقها إلى الموقع، وأصدر الشاويش محمد أوامره بعدم الحركة والثبات والكف عن إطلاق النيران.

وتقدمت المصفحات .. ووصلت إلى بُعد أمتار من التَّبة، وتخطت مصفحتان منها الأسلاك الشائكة.

وفجأة أصدر (الشاويش محمد) امره بالضرب، وانطلقت كل مدافع الموقع صوب مصفحات العدو واشتعلت النيران في سيارتين منها وانسحبت بقيتها، وشدت مدفعية العدو الضرب.

واستمرت المعركة ساعة كاملة، ثم بدأت تخف حدثها، وعاد الشاويش محمد يطوف بجنوده، يشد على أيديهم ويقوي من عزائمهم، وفجأة بدا موكب جديد من مصفحات العدو، كان حشدا أكبر من الأول.

وفعل بهم هذه المرة كما فعل في المرة الأولى، واستمر الاشتباك أكثر من ساعتين ثم بدأ العدو ينسحب مرة أخرى تاركا جرحاه ومصفحاته.

وعادت الطائرات بأضوائها وقذائفها.

ومع الفجر بدأت معركة جديدة، لم تنته إلا بعد السابعة صباحا.

وبدأت خسائر العدو تلوح امام جنودنا الشبان وتملأ أرواحهم بالعزيمة والصبر والإيمان وعلى ضوء النهار أخذ الشاويش محمد يُحصي قواته وخسائره.

لم يخسر جنديا واحدا، كانوا كلهم في أماكنهم، وارتفع صوت الشاويش محمد يعد خسائر اليهود اثنتا عشرة مصفحة ومائتا قتيل.

وعادت الطائرات اليهودية تحمل إنذارا بالتسليم، إنذارا بالمنشورات، والتفت الشاويش محمد إلى قواته يأمرهم من جديد بالاستعداد ليوم جديد ومعركة جديدة.

وعلم وقتئذٍ قائد الجيش بقصة الشاويش محمد، فأمر بترقيته إلى رتبة ملازم ثانٍ)).

2- البطولة الثانية: بطولة (الفدائيات الأربع):

((وكما سرى المجد والخلود في دم الشاويش محمد، سرى أيضا –يا ولدي-في قلب فتيات مكتب البرق ببورسعيد، فإذا هن شعلة من الحماسة الخالصة وتيار متدفق من الوطنية الصادقة.

أقبل الإنجليز نحو هذا المكتب ليستولوا عليه، وليقطعوا البقية الباقية من سُبل المواصلات التي تربط بين القاهرة وبورسعيد، ولكن فتيات هذا المكتب أو كما نسميهن الفدائيات الأربع، ومن بقى معهن من الموظفين أصرُّوا على عدم التسليم مهما كان الثمن.

وسدد الإنجليز نيران مدافعهم، وبدأ الضرب في مكتب البرق، فإذا الفتيات الفدائيات يطلقن مدافعهن الرشاشة دفاعا عنه، وأقبل شباب المقاومة الشعبية نحوهن لمساعدتهن، فازددن حماسة ودفاعا لجأ الإنجليز والفرنسيون إلى أساليب المكر والخديعة، فرفعوا الراية البيضاء فوق هذا المكتب، ليوهموا رجال المقاومة الشعبية الذين كانوا يسددون نيرانهم الحامية على دبابات العدو من نوافذ المنازل المجاورة أن فتيات المكتب قد استسلمنّ وانتهى الأمر.

أدركتْ واحدة منهن حقيقة الراية البيضاء، وما وراء ذلك من خديعة، فنبهت زميلاتها، فعدن يرسلن إلى دبابات العدو وابلا من رصاص مدافعهن الرشاشة.

وعندئذٍ أدرك رجال المقاومة الشعبية في المنازل المجاورة أن الفتيات الأربع لم يطلبن التسليم وبذلك عادت المقاومة من جديد حتى صدرت الأوامر المعروفة بوقف إطلاق النار من الطرفين.

هذا هو سر النصر والخلود الذي سرى في قلب الفتيات الفدائيات الأربع، فخلق منهن خلقا جديدا وأسطورة تتغنى بها الأيام)).

3- البطولة الثالثة: بطولة (جلال الدسوقي وعلى صالح):

((وسرى سر المجد والخلود في دم الضابطين البحريين (جلال الدسوقي)، و(علي صالح)، فإذا كل منهما قوة خارقة، وفدائي يُذاع اسمه على مر الأيام والأعوام.

خرج جلال الدسوقي في زورقه إلى عُرض البحر في سرعة رهيبة، بعد أن أصدر أوامره إلى زورقين آخرين باقتفاء آثره.

انطلق هذا الفدائي إلى سفن العدو، وكانت قد حشدت أمام (بحيرة البرلس) وما إن رأها حتى اختار منها أقواها بطشا، ولأكثرها رجالا، وأثقلها وزنا، وكانت طرادة فرنسية تفاخرا بها فرنسا وتعدها من خير ما تملك من قطع بحرية.

دار حولها الفدائي (جلال الدسوقي) وسدد نحوها طوربيدا جعلها تتمايل يمنة ويسرة وبحارتها من فوقها يصيحون ويصرخون، وفي دقائق معدودات شبَّت النار في جوانبها وبدأت تغوص إلى أعماق البحر.

وعاد هذا البطل وخلفه زوارق الطوربيد المصرية، وفي أثناء عودتها رأت من بعد مدمرة فرنسية أخرى.

وما هي إلا لحظات حتى اندفع زورق آخر بقيادة زميله (على صالح) نحو المدمرة الثانية، فداعبها بطوربيد من زورقه، لينال الشرف الذي ناله زميله الفدائي (جلال الدسوقي).

واستقر طوربيد على صالح في المدمرة الثانية، فإذا هي تغوص بدورها في أعماق الماء.

وفي طريق العودة رأى البطلان الفدائيان سريا من اثنتي عشرة طائرة تُحلق فوق رءوسهم وإذا قنابلها تدك الزُّورقين دكًّا.

ولكن أبطالنا أبوا أن تكون لهم معركة مع الطائرات كما كانت لهم معركة مع المدمرات، فأطلقوا نيرانهم ودافعوا عن زوارقهم دفاع الأبطال، ولكن سرب الطائرات انقض عليهم انقضاض الصاعقة، والرصاص يتساقط عليهم من كل جانب.

كان في مقدور البطلين ومن معهما أن يقفزوا إلى الماء هربًا، ولكنهم فضلوا البقاء في زوارقهم، وأن يغوصوا معها إلى الأعماق شهداء أبرارا بعد أن ضرب كل منهم للأجيال القادمة خير المثل في التضحية والفداء)).

4- البطولة الرابعة: بطولة (جواد حسني):

((وسرى سر البقاء والخلود فيدم الطالب (جواد حسني)، فانطلق في ركاب الحرس الوطني يُلبي نداء الوطن عندما وقع العدوان الثلاثي الغادر على وطنه الحبيب.

وذات مساء تسلل (جواد) من بين أفراد كتيبته –وكانت مرابطة عند الكيلو 39 في طريق (الكاب) شرقي قناة السويس-تسلل منفردا واتخذ موقعا يرشف على كتيبة فرنسية كانت بالقرب منهم، وأخذ جواد يطلق النار بعنف من مدفعه الرشاش، فذعر الفرنسيون، وخالوا أنهم امام فرقة كاملة من الفدائيين، وعندئذٍ حاصروا الموقع الذي تنطلق منه النيران والدبابات والسيارات المصفحة وسددوا مدافعهم نحو جوادٍ.

وظل البطل يُطلق الميران طوال الليل، وفجأة توقف مدفع جواد، لقد أغمى عليه من فرط ما نزفت جراحه من دماء وتقدمت المصفحات والدبابات الفرنسية نحو البطل، وصُعق الفرنسيون عندما وجدوا أنفسهم أمام فدائي واحد، لا أمام فرقة كما تصوروا.

فدائي واحد من شبابا مصر سرى فيه سر المجد والخلود يا ولدي، فإذا به قوة صاعقة ونار محرقة، يعمل العدو لها ألف حساب.

ونُقِلَ جواد إلى معسكر الأسر ببور فؤاد، وطلب منه الفرنسيون الإدلاء بأية معلومات عن مواقع الفدائيين المصريين ووعدوه بإطلاق سراحه إن هو أدلى إليهم بهذه المعلومات، ولكن البطل لاذ بالصمت.

وصدرت الأوامر باستعمال أبضع وسائل التعذيب مع جواد لكي يتكلم، كي يبوح بأسرار بلاده، فكان الحرق بأعقاب السجائر وكان الوخز (بالسونكِي) والربط بالحبال والكيًُ بالنار، ولكن جوادا لم يتكلم، بل مد إصبعه الواهن في واحد من جروحه المتعددة وغمسه في دمائه الطاهرة، وأخذ يُسطر على الحائط قصته، بعبارة كُتب لها لخود نذكرها فيما يلي:

“يا أخي اسمي (جواد) طالب بكلية الحقوق .. فوجئت بالغرباء يقذفون أرضى بالقنابل، فنهضت لنصرة وطني وإنقاذ أرضي .. والحمد لله .. لقد شفيت غليلي في أعداء البشرية.

وأنا الآن سجين وجُرحِى ينزف بالدماء .. أنا الآن في معسكر الأعداء .. أنا هنا أتحمل كل وسائل التعذيب والإرهاب .. لكن يا تُرى هل أعيش؟ ليس المهم أن أعيش .. وإنما الأهم أن أرى النصر، وأن أشهد هزيمة الأعداء”.

ولما ييئس الأعداء من أن يبوح لهم بشيء من أسرار زملائه، في فرقة المقاومة الشعبية أطلقوا عليه نيرانهم، ليخمدوا أنفاسه إلى الأبد … ولكن بقيت روحه تشهد بعظمة أبناء مصر .. وعظمة شبابها.

بهذه الروح القوية الشعبية أن تصنع المعجزات، لقد استطاعوا أن يغلبوا بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، ومعهم البقية الباقية من الدول الاستعمارية.

لقد استطاعت كتائب الشعب أن تقتل الآلاف من الجنود، وتدمر الآلاف من عدده وعتاده، وتسقط الكثير من طائراته، وتغرق الكثير من مدمراته)).

د – شعب مصر يسخر من المعتدين:

((لقد قال (كِتلي) قائد القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية: “سأضرب مصر بلا هوادة أو شفقة، حتى تقع ذليلة وتقلع عن كبريائها”.

ضربت يا كِتلي مصر بطائراتك ودباباتك وأساطيلك، فماذا جنيت؟ وماذا كان مصيرك؟

ضربت مصر كِتلي بلا هوادة وشفقة، وفعلت كل ما يحلو لك .. فما وجدت من شعب مصر؟

لقد وجدته أثبت من الجبال، وأصلب من الحديد والفولاذ، لم ترهبه غواصاتك، ولم تُخفه طائراتك، ولم ترعبه مدمراتك .. لقد آمن شعبنا يا كِتلي بنفسه وانطلق يُلقن جنودك درسا لن ينساه الأحياء منهم إلى الأبد، لقد حمل عليهم حملة رجل واحد، فإذا جنود الدولتين العظيمتين رمم سابحة في الدماء، وجثث طافية على صفحات الماء، وصراخات تتردد في أرجاء الفضاء، وإذا الشعب المصري –يا ولدي-يردد نشيد النصر، ويملأ أسماع الدنيا بأمجاد وانتصاراته، فاضطرت جيوش الأعداء أن تنسحب من صمر وتعود من حيث أتت.

بذلك حمى شعبنا المجيد بلده وأرضه وقناته والعروبة كلها.

بذلك ارتفع علم مصر خفاقًا في أرجاء الفضاء، يُحكى للأجيال القادمة قصة كفاح هذا الشعب المجيد)).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى