قصة – طموح جارية (شجر الدر) | الفصل الثاني (مفاجأة)

 قصة – طموح جارية (شجر الدر) | الفصل الثاني (مفاجأة)

قصة – طموح جارية (شجر الدر) | الفصل الثاني (مفاجأة)

1- وفاة السلطان الكامل، وتولية العادل الملك:

((وثَّقت شجر الدر العلاقة بين زوجها الصالح نجم الدين، وبين قومها الخوارزمية وأصبحوا عونا قويا له في حروبه.

وبينما كان نجم الدين منهمكا في مواجهة الأعداء على أحد الثغور أقبلت إليه الأنباء تعلن وفاة أبيه الكامل في الثاني عشر من شهر رجب سنة 635 من الهجرة، واتفاق الأمراء على:

تولية سيف الدين ابن سوداء مُلك مصر والشام، باسم العادل.

وأن ينوب عنه في دمشق ابن عمه (الجواد مظفر الدين يونس بن مودود)

أما نجم الدين فيبقى كما هو أميرا على الثغور بالشرق)).

2- قلق نجم الدين على مصر من أطماع الأمراء:

((وقع هذا الخبر على نفسه وقع الصاعقة، ليس لأنه فقد مُلك مصر، ولكن لما ينتظر هذه الدولة المترامية الأطراف من تفرق وتمزق، فهؤلاء الأمراء الأيوبيين في مصر سيهبون مسرعين ليحققوا أطماعهم، ويمزقوا الدولة بينهم، منتهزين ضعف الملك الجديد، وضعف الغدارة التي تتولى أمره وسوف يضعف ذلك مصر، ونحن نريدها قوية لنواجه بها الروم والتتار.

ثم أخذ يستعرض جيشه، وقدرته على مواجهة تلك الصعاب، ومنازلة هذه الأخطار، ولم ينس عدوه اللدود بدر الدين لؤلؤًا أمير الموصل، ولا غيره من كل طامع يعد للعصيان ولما ضاق صدره بهذه الفكر استدعى شجر الدر فأقبلت مسرعة إليه وانحنت أمامه ثم قالت في صوت رقيق: “صباح الخير يا مولاي!”

فنظر نجم الدين إليها، ثم قال في ألم شديد: “أعلمتِ يا شجر الدر بما كان ؟! مُلك مصر لسيف الدين ابن سوداء، ودمشق للجواد مظفر الدين يونس … وأنا هنا على الثغور هذا تدبير سيودي بنا جميعا! اتفق الأمراء على هذا الإثم ليبثوا من خلفه إلى مطامعهم القاتلة وإذا طال بنا الوقت ولم نصنع شيئا، مكَّنا الأعداء من رقابنا، وسلَّمنا مقاتلنا)).

3- نجم الدين ينسحب من حصار الرحبة:

((وقد رأيت أن أنسحب من حصار الرحبة وأدعها؛ حتى أتفرغ لحل هذه المُعضلة فأسرعت موافقة على الانسحاب قائلة: “خيرا تصنع يا مولاي، ذلك أفضل من أن نحصر في هذا المكان، فما نُمضيه في الحصار دون جدوى ننفقه في عمل مجد”

وفي أستار الظلام، كان نجم الدين يمضي في طريقه مبتعدا عن الرحبة)).

4- الخوارزمية ينشقون عن نجم الدين:

((ولم يبعد به السير حتى أحس بحركة في الجيش وسمع مناديا يجأر بصوته يطلب الإسراع، وإلا وقعوا في أيدي الخوارزمية.

وكانوا قد اختلفوا مع نجم الدين بسبب مطامعهم الواسعة، وبيتوا أمرهم على الانتقاض عليه فلما سنحت لهم الفرصة انتهزوها وشقوا عصا الطاعة، وأسرعوا إليه عندما علموا بانسحابه، وهاجموه وتغلبوا على رجاله، وهمُّوا بالقبض عليه، فتمكن من الإفلات منهم، وأسرع بما بقي من جيشه إلى سنجار ليمتنع بها، تاركا لهم الأموال والأثقال ومعه شجر الدر)).

5- محاصرة نجم الدين في سنجار:

((ولم يكد يستقر في سنجار حتى كانت جيوش غياث الدين الرومي تحاصر آمد أعظم مدن ديار بكر على نهر دجلة، وفيها توران شاه بن نجم الدين، وكان بدر الدين لؤلؤ قد أسرع هو الآخر بجيشه، والتف حول قلعة سنجار مهددًا متوعدًا، مقسما على ألا ينصرف إلا إذا قبض على نجم الدين وشجر الدر.

فاشتد الأمر بنجم الدين، وجلس يفكر وشجر الدر بجانبه ثابتة لا تفارقها ابتسامتها الواثقة تحدثه وتقول له بصوتها الحنون: “لا بأس على مولاي مما يرى هذا خطبُ يسير بجانب عزم مولاي وحيلته يا شجر الدر، لم يبق إلا أن يقبض على بدر الدين، ماذا أصنع يا شجر الدر ؟!! تخلى عني أٌقاربك الخوارزمية، وخذلوني في ساعة العشرة وصوبوا إلى سهامهم، وكنت أعول عليهم في الشدائد!”

فأسرعت بهدوئها قائلة: “أيتفضل مولاي ويترك لي تدبير هذا الأمر، فلعلَّي أنجح فيه؟”

“لك ما تريدين يا شجر الدر، فماذا أنتِ صانعة مع تلك الذئاب العاوية؟!”)).

6- شجر الدر تعد خطة مُحكمةً لفكِّ الحصار:

((قالت بصوتها الرقيق: “أيأذن لي مولاي باستدعاء القاضي بدر الدين الزرزاري قاضي سنجار؟”.

فأمر باستدعائه، فأقبل مسرعا ووقف أمامه وحيَّاه، فأذن له بالجلوس، ثم أشار إلى شجر الدر.

فقالت في ثبات: “تعلم يا شيخ بدر الدين ما نحن فيه، وقد رأى مولاي نجم الدين رأيًا يُنقذنا ويفك أسرنا ويخلص الناس مما هم فيه من الضنك والعنت من هذا الحصار، لكن التنفيذ يحتاج إلى حرص، ودقة وجرأة ومهارة، وحسن تصرف ولم يجد مولاي من يحسن القيام به سواك فماذا ترى؟”

قال القاضي وهو يضغط كفه اليسرى براحته اليُمنى: “أمر مطاع يا مولاي، نحن أنصارك وأحباؤك ورهن إشارتك”.

قالت شجر الدر:

“يريد مولاي أن يبعثك إلى الخوارزمية؛ لتستميلهم بلباقتك وقوة بيانك، وحسن مداخلك، تعدهم وتمنيهم وتمحو من نفوسهم كل شيء يُغضبهم من مولاي، ويمنعهم من نجدته”.

فرفع القاضي رأسه، ونظر إلى نجم الدين، فأسرعت تُطمئنه، وتقول في ثبات:

“لا تخف أيها القاضي الشجاع، فلن تخرج من باب القلعة الذي يترصد فيه الخطر، بل ستُربط بالحبال، وتُدلى من السور في حالك الظلام بقوة حنانه، ووقوفه بجانب الحق، متحديا كل تهديد؟!”

فهوَّم القاضي برأسه وهو يقول في صوت خفيض:

“يمكن يا مولاي ثم مس لحيته بأصابعه، فابتسمت شجر الدر، وأسرعت قائلة:

“وتستغنى عن هذه اللحية مؤقتا يا بدر الدين؛ حتى تنتهي المهمة، فلا يعرفك أحد، ولا يتنبه إليك إنسان”

فأسرع القاضي موافقا قائلا في سرور:

“حل مُوفَّق، وفكرة رائعة”)).

7- رسالة شجر الدر إلى الخوارزمية:

((وفي جنح الليل والناس نيام، كان القاضي يُدلى من القلعة في بطء وحذر؛ حتى بلغ الأرض، ففك الحبال، وانطلق إلى مضارب الخوارزمية، ومعه كتاب من شجر الدر تقول لهم فيه: 

“أنتم أهلي وعشيرتي، ومحط آمالي، ومعقد رجائي، لم يبق لى في الحياة سواكم، أعيش على أصواتكم، وأحس طعم الحياة بأنفاسكم، فإلى من ألجأ إن تخليتهم عني؟ أإلى التتار الذين مزقوا دولتنا، وقضوا على زعيمنا وشتتوا شملنا وحرمونا عظمتنا وسلطاننا، أم إلى الفرنج اللذين يعيثون في البلاد فسادا ويهددون بإبادتنا؟!.

أسرِعوا إلى ابنتكم، وأدُّوا حق أبوتكم وأخوتكم، ولكم عند الأمير نجم الدين ما تشاءون، وأنا ضامنة لكل ما تفرضون”)).

8- نجاح خطة شجر الدر:

((ولم يكد القاضي يبلغ مضارب الخوارزمية، ويتحدث معهم، ويقرأ عليهم الكتاب، حتى دوَّى الأمر بالنفير، فقفز الفرسان على صهوات جيادهم، وانطلقوا مسرعين إلى سنجار، والتفوا حول جيوش بدر الدين، وأخذوها من كل جانب، وعلا صليل السيوف، وارتفع صهيل الخيل، ونشبت معركة ضارية، نالت من جيوش بدر الدين كل منال، ثم أشرق النهار وهو ينهب الأرض، بفرسه هاربا، وخلفه من استطاع النجاة من أصحابه، ولم يضيِّع نجم الدين وقته فبعث الخوارزمية إلى آمد ليخلصوها من غياث الدين الرومي، وينقذوا ابنه توران شاه من حصاره، فنازلوا جيش الرومي، وأوقعوا به، وفكُّوا الحصار)).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى