قصة – طموح جارية (شجر الدر) | الفصل الثالث (بسمة الأمل)

 قصة – طموح جارية (شجر الدر) | الفصل الثالث (بسمة الأمل)

قصة – طموح جارية (شجر الدر) | الفصل الثالث (بسمة الأمل)

1- تفكير نجم الدين في عرش مصر:

((بعد أن تحقق لنجم الدين الانتصار على بدر الدين لؤلؤ، وعلى غياث الدين الرومي، وتم إنقاذ ابنه توران شاه من الحصار انتقل إلى حصن كيفا على حدود التركستان وشرع في ترتيب أمره، وتدبر أفضل الطرق للوصول إلى عرش مصر))

2- قلق (نجم الدين) على أنصاره في مصر:

((وكان قد مضى بعض الوقت، دون أن يعرف شيئا عن مصر، فلا رسالة أقبلت ولا نبأ أتى ولم يفد عليه أحد من أنصاره، الذين يُقبلون عليه من هناك، ويطيعونه على دقائق الأمور، فقلق على أصحابه؛ خوفا من أن يكون مكروه قد أصابهم، وكانت قافلة قد وصلت بالأمس من مصر، ولم يأت إليه أحد منهم إلى الأن.

ولما اشتد الضيق بصدره، خرج إلى شرفة من شرفات الحصن المنيع، وجعل يقلب بصره في كل ناحية، وشجر الدر بجانبه تحدثه في تفريج كربه، وإزالة همِّه)).

3- زيارة أبي بكر القماش لنجم الدين:

((وبينما هو في قلقه إذا بأحد الخدم يستأذن لأبي بكر القماش أحد تجار القاهرة فأسرع بالإذن له، واستقبله بسرور بالغ، وبعدها عرض أبو بكر القماش بضاعته الجديدة، مدَّ يده إلى نجم الدين بقطعة من الذهب، قائلا: “أرأيت يا مولاي هذا الدينار الجديد؟!”

فتناوله نجم الدين من يده، وقرأ ما عليه من الكتابة، فبدأ في وجهه الامتعاض الشديد، ثم ناوله شجر الدر فقرأته، ثم قالت متعجبة:

“العادل سيف الدين مَلك مصر والشام، واليمن ..” 

ثم ردَّته إلى نجم الدين، ولم تزد شيئًا عمَّا بدا في وجهها من السخرية، وما ارتسم فيه من الألم)).

4- القمَّاش يتحدث عن أحوال مصر وملكها:

((والفتت نجم الدين إلى أبي بكر، وقال في اهتمام شديد:

“حدثنا عن مصر يا أبا بكر”.

“جريت الأمور يا مولاي على النحو الذي يحبه العامة، فقد عاشوا أياما بين الذبائح التي تُنحر في الميادين وتحت قلعة الجبل، وتوزع لحوفها عليهم ابتهاجا بملك مصر الجديد وماجت الشوارع بالألوف التي خرجت لتشاهد موكب العادل سيف الدين، وهو يشقها إلى القلعة بين جنوده وأعوانه!”.

“وكيف حال الأمراء والقواد يا أبا بكر؟”

“لم يبقى في مصر يا مولاي إلا ذوو النفوس الخبيثة الطامعة!”.

“والملك يا أبا بكر؟!”

“والملك يا مولاي وراء الأستار وخلف الجدران، خبير بالجواري وألوان الشراب والتَّرف، لا يفيق إلَّا حين يضع يده في خزائن الدولة، يعترف منها ما يشاء؛ لينفقه في اللهو والمجون”.

“وقد تقرب إليه الأمراء بما يحب من الجواري؛ ليحظوا عنده بمكانة كبيرة، وكان أحظاهم عنده داود أمير الكرك الذي أصبح الأمر الناهي في قصر العادل، يُقصي عنه الناصحين، والمخلصين؛ ليزداد تسلطا عليه، وتمكنا منه حتى لم يبقى حوله أحد من ذوي الرأي والتدبير، فهذا الأمير فخر الدين ابن شيخ الشيوخ مقبوض عليه معتقلا بقلعة الجبل، متهما بمكاتبتك يا مولاي، وحثَّك على الإسراع إلى مصر وإنقاذها!”

5- محاولة العادل الاحتيال على (الجواد):

((“ألم يعلم مولاي بخبر العادل والجواد نائب دمشق؟! يبدو أن العادل اتفق مع داود صاحب الكرك على أن يعطيه دمشق، وأحب أن يحتال على الجواد؛ لينفذ هذا الاتفاق، فبعث إليه بكتاب يعطيه فيه الشوبك، وثغر الإسكندرية، وقليوب، وعشر قُرى من قُرى الجيزة، في مقابل أن ينزل عن نيابة السلطنة بدمشق، ثم يزيد في الخديعة، فيرجوه أن يسرع إلى قلعة الجبل بمصر؛ ليكون بجانبه، يعمل بأريه؛ فهو في أمسِّ الحاجة إليه”.

“وبماذا أجاب الجواد يا أبا بكر؟!”

“ألم ينطل ذلك على الجواد، ولقد علمت أن الجواد فكر في أن يستعين بمولاي!”

“يستعين بي أنا؟! وكيف يا أبا بكر؟”)).

6- نجم الدين يوافق على عرض الجواد:

((وفيما هما في ذلك الحديث، إذا برسول أقبل من عند الجواد برسالة يرجو الرد عليها سريعا، ففضَّها نجم الدين ونظر فيها، وجعل يقرأ والبشر يزداد في وجهه، ولم يتمهل نجم الدين، وأمر بدواة وقلم، وأعطى الكتاب شجر الدر فقرأته، وهزَّت رأسها موافقة في سرور، ثم التفت نجم الدين إلى أبي بكر، وقال في بشاشة:

“خبر صادق يا أبا بكر! جاء الكتاب، ووافقت على جميع ما فيه!”.

ثم كتب الرد وسلَّمه إلى الرسول، فانطلق به مسرعا، وانثنى نجم الدين إلى أب بكر وقال:

“سندخل دمشق يا أبا بكر! استعان بي الجواد كما قلت، فعرض على أن أقايضه آخذه دمشق، ويأخذ هو حصن كيفا وسنجار، وقد أسرعت بالموافقة كما رأيت!”

فاشتد سرور أبي بكر، وقال في فرح:

“صفقة رابحة يا مولاي! وعقَّبت شجر الدر قائلة:

“زاد الأمل إشراقا يا مولاي، فهل بعد دمشق سوى مصر؟! ثمانية عشر يوما بالسفر الوئيد الهادي!”.

“والعوائق يا شجر الدر؟!”

“وهل يقف أمام نجم الدين، وعزماته عائق مهما كان؟!”

قال أبو بكر والشكُّ يخامره:

“عُدت أفكر في هذا الذي صنعه الجواد، فليته يثبت على رأيه يا مولاي! وأخشى أن يتدبر الصفقة، ويعرف الفرق، ويرجع وينقض ما أبرم!”

فعقَّب نجم الدين مسرعا قائلا: “لن ننتظر حتى يفكر ويتدبر!”)).

7- عودة القمَّاش إلى مصر بتعليمات من نجم الدين:

((وأما أنت يا أبا بكر فتعود إلى مصر مع القافلة، ومعك تعليماتي إلى أتباعي من الأمراء الثائرين على العادل وفساده، والداعين إلى الإصلاح والوحدة وجمع للكلمة، من ينشدون سلطانا قويا حازما، يثقون بعزمه، وقدرته على مواجهة الفرنج والتتار.

كما تحمل سلاما حارًّا إلى فخر الدين ابن شيخ الشيوخ المعتقل بقلعة الجبل، وتطمئنه على الخلاص، وكان معه أنباء أخرى عن تدبير نجم الدين لدخول مصر، واقتراب الفرج)).

8- دخول نجم الدين دمشق:

((وكان ردُّ نجم الدين بالموافقة على المقايضة قد بلغ الجواد، فظن أنه وفَّق، وأذاع الخبر في دمشق، فارتاح الناس إلى ذلك، وارتقبوا وصول نجم الدين وفي أول جمادي عام 636ه استقبلت دمشق الصالح نجم الدين أحسن استقبال، وكان على فرسه الأشهب رافع الرأس باسم الثغر يحيط به الفرسان الأشداء، وشجر الدر في هودجها سابحة في أحلامها، تتخيل دمشق ببهائها وجمالها وتتعجل الوصول إليها)).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى